قراءة في مبادئ أمريكا الاستعمارية

يا عزيزي.. كلهم ترمب!

جمال خطاب

08 يناير 2026

136

دونالد ترمب ليس استثناء في الرؤساء الأمريكيين كما يعتقد البعض، هو ينفذ سياسة أمريكية ثابتة ومستقرة منذ تأسيس الدولة، أو الإمبراطورية؛ إمبراطورية الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك فعدوان أمريكا الوقح على فنزويلا ليس إلا حلقة من حلقات سياسة أمريكية متعارف عليها منذ تأسيس هذا الكيان الرأسمالي الدموي منذ 250 عاماً، وما تسميه أمريكا مبادئ، ابتداء من مبدأ مونرو، وروزفلت، وترومان، وصولاً إلى مبدأ بوش، ليست سوى ذرائع للتدخل والعدوان بهدف الاستغلال والهيمنة.

حروب الاستقلال في الأمريكتين

عندما تشكّلت الولايات المتحدة من المستعمرات البريطانية الـ13 السابقة على الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية في أواخر القرن الثامن عشر، كانت الإمبراطورية الإسبانية، وكذلك الإمبراطورية البرتغالية، وهما القوتان المهيمنتان آنذاك في القارة الأمريكية، قد بدأ نجمهما في الأفول، وبحلول أوائل عشرينيات القرن التاسع عشر، أنهت سلسلة من حروب الاستقلال أكثر من 3 قرون من الحكم الإسباني والبرتغالي في معظم أنحاء أمريكا اللاتينية.

مبدأ مونرو

إلا أن هزيمة الإسبان لم تُؤدِّ إلا إلى تكثيف التنافس الإمبريالي في المنطقة، حيث رأت قوى أوروبية أخرى فرصًا سانحة في هذه القارة الغنية بالموارد، وهنا دخلت الولايات المتحدة الصراع بمبدأ مونرو لتعلن هيمنتها على المنطقة، وحظرها المنطقة على القوى الأوروبية الأخرى، ومن خلال سلسلة من المعاهدات، نجحت إلى حد كبير في منع أي استعمار مباشر آخر لقارة أمريكا اللاتينية.

لم يسمح للإمبريالية الأوروبية من الاقتراب من الأمريكتين، وكان يمكن أن تكون الولايات المتحدة الناهضة أن تحمل مشاعل الحرية والتقدم لباقي القارتين، ولكنها اختارت أن تكون الاستعمار والاستغلال البديل بخبث وعنف أشد من الاستعمار الأوروبي، فقد بدأت بالتوسع على حساب الدول المجاورة؛ فضمت ولايات جديدة للاتحاد، بالإضافة إلى أكثر من نصف مساحة المكسيك لتمتد حدودها من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ.  

الرأسمالية الصناعية

بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، وبعد هزيمة الولايات الجنوبية في ستينيات القرن التاسع عشر، اتخذت الإمبريالية الأمريكية في أمريكا اللاتينية شكلاً مختلفاً، لم يعد التوسع في الأرض هدفها الرئيس، ومع إلغاء العبودية، ازدهرت الرأسمالية الصناعية، حيث وفرت السهول الشاسعة في الغرب الأمريكي، والمستثمرون المتحمسون، وملايين العبيد السابقين والعمال البيض الفقراء، العناصر الثلاثة الأساسية للتنمية الرأسمالية؛ الأرض، والعمل، ورأس المال، ونتيجة لذلك، شهدت الولايات المتحدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر نمواً رأسمالياً سريعاً، وفي غضون عقود قليلة، أصبحت أكبر منتج صناعي وزراعي في العالم.

بالقوة.. تجارة العالم يجب أن تكون لنا!

لكن وراء هذا النمو، كان هناك تناقض خطير، فقد نمت القدرة الإنتاجية للاقتصاد الأمريكي بشكل هائل لدرجة أنه بحلول نهاية القرن، لم تعد السوق المحلية قادرة على استيعاب الإنتاج الغزير؛ وبالتالي، ترافق النمو السريع مع سلسلة من حالات الركود العميق بسبب الانخفاض الحاد في الأسعار نتيجة لزيادة العرض عن الطلب زيادة كبيرة؛ ولذلك، كان التوسع في فترة ما بعد الحرب الأهلية أيضاً فترة أزمة حادة للطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة.

وقد حدد السيناتور ألبرت بيفريدج، من ولاية إنديانا، في خطاب ألقاه عام 1898م المشكلة قائلاً: المصانع الأمريكية تُنتج أكثر مما يحتاجه الشعب الأمريكي، والأرض الأمريكية تُنتج أكثر مما تستهلك أمريكا، وهكذا يرسم القدر سياستنا؛ تجارة العالم يجب أن تكون لنا، وستبقى كذلك.. إلى أين نتجه لنحصل على مستهلكين لفائضنا؟ القوة التي تُسيطر على المحيط الهادئ، هي القوة التي تُسيطر على العالم، ومع الفلبين، فإن هذه القوة هي، وستبقى إلى الأبد، الجمهورية الأمريكية.

معركة السيطرة على العالم

هذه هي خلفية الحرب الإسبانية الأمريكية في أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر، لم تكن أمريكا لتتمكن من بلوغ كامل إمكاناتها الإمبريالية طالما حرمتها القوى الأوروبية من الوصول إلى أسواق معينة واحتفظت بمستعمراتها، كان دحر آخر فلول الإمبراطورية الإسبانية، التي كانت لا تزال تُسيطر على جزر كاريبية مهمة مثل كوبا وجزر في المحيط الهادئ مثل الفلبين، شرطًا أساسيًا لدخول الولايات المتحدة حقبة جديدة من الإمبريالية في أوائل القرن العشرين، وكما كتب المحامي بروكس آدامز: هذه الحرب هي الطلقة الأولى في معركة السيطرة على العالم.

إستراتيجيات استعمارية أم مبادئ أخلاقية

ما يسمى مبادئ أمريكية لا يمت للمبادئ بصلة، وإنما إستراتيجيات رأسمالية تقنن الهيمنة والنهب والسرقة، فمنذ أن ظهرت الولايات المتحدة على مسرح التاريخ، قدّمت نفسها بوصفها أمة الحرية وحامية الديمقراطية، لكن خلف هذا الخطاب اللامع، تشكّلت منظومة من المبادئ الانتهازية، لم تكن قوانين رسمية بقدر ما كانت خرائط نفوذ صاغت علاقة واشنطن بالعالم.

هذه المبادئ، من «مبدأ مونرو» إلى «مبدأ بوش»، تكشف أن أمريكا لم تكن يوماً بعيدة عن منطق العدوان الذي حكم الإمبراطوريات الأوروبية التي انبثقت عنها أمريكا، بل أعادت إنتاجه بأساليب أعمق وأخبث بخطاب أخلاقي كاذب.

مونرو.. نصف الكرة الغربي محمية أمريكية خاصة

في عام 1823م، أعلن الرئيس جيمس مونرو أن أمريكا اللاتينية لم تعد مفتوحة للاستعمار الأوروبي، لم تكن واشنطن ترفض الاستعمار كفكرة، بل ترفض المنافسة الاستعمارية الأوروبية في مكان قررت من جانب واحد ودون مشاورة أهل المكان أن تعتبره امتداداً طبيعياً لنفوذها.

مبدأ روزفلت.. لنا الحق في التدخل لضبط الاستقرار

في عام 1904م، جاء ثيودور روزفلت بمبدأ مفسر لمبدأ مونرو عندما أعلن أن للولايات المتحدة حق التدخل في دول أمريكا اللاتينية لضبط الاستقرار! وهذا إعلان بأن أمريكا تنصِّب نفسها شرطي نصف الكرة الغربي.

مبدأ ترومان.. الحرب الباردة كغطاء للتوسع

بعد الحرب العالمية الثانية، خرج مبدأ ترومان عام 1947م ليقدّم نفسه كجدار لاحتواء الشيوعية، لكن الواقع كان أبعد بكثير من الشعارات، فباسم الدفاع عن الحرية، دعمت واشنطن أنظمة استبدادية لمجرد أنها تدور في فلكها، وتدخلت في شؤون دول لا تربطها بها إلا حسابات النفوذ، وتحول العالم إلى رقعة شطرنج تحرك فيها الولايات المتحدة القطع كما تشاء، بينما ارتدت لغة أيديولوجية جديدة تخفي تحتها جوهر السياسة القديمة نفسها؛ توسيع السيطرة الرأسمالية الأمريكية بأي ثمن.

أيزنهاور.. مبدأ السيطرة على الشرق الأوسط

مع أزمة السويس عام 1956م وصعود ما يسمى بالقومية العربية، أعلن أيزنهاور أن الشرق الأوسط جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأمريكي، كان الهدف حماية المنطقة من الشيوعية، ولكن المضمون كان النفط والموقع الجيوسياسي، ودعم الكيان الصهيوني.

مبدأ كارتر.. الخليج خط أحمر

في عام 1980م، أعلن كارتر أن أي محاولة للسيطرة على الخليج ستُواجه بالقوة، كان ذلك إعلاناً صريحاً بأن المنطقة أصبحت مصلحة أمريكية مباشرة؛ لأن النفط جزء من الأمن القومي الأمريكي، لا لأن أمريكا تحتاج نفط الخليج، ولكن لأن السيطرة على النفط أداة للسيطرة والهيمنة الأمريكية على العالم.

مبدأ ريجان.. استباحة الحرب بالوكالة

في الثمانينيات، وسّع ريجان سياسة «الاحتواء» إلى «الصد»؛ أي دفع النفوذ السوفييتي إلى الوراء من خلال دعم جماعات مسلحة في أمريكا اللاتينية وأفغانستان، وتحويل دول الجنوب إلى ساحات صراع واستخدام الديمقراطية كخطاب، والقوة كأداة.

مبدأ بوش.. التدخل السافر بالقوة للقضاء على التهديدات المحتملة

بعد هجمات 11 سبتمبر 2001م، أعلن جورج بوش الابن مبدأ الحرب الوقائية من أجل القضاء على التهديدات المحتملة قبل أن تظهر، ونتج عن تلك السياسة التي صبت فقط في صالح الكيان الصهيوني غزو أفغانستان والعراق وما تبعهما من مآس وجرائم.

من مونرو إلى بوش، إلى ترمب، تتكرر المعادلة نفسها؛ خطاب أخلاقي يعِد بالحرية، وسياسة عملية تُعيد إنتاج الهيمنة، وأدوات تتغير، لكن المنطق الاستعماري ثابت.

إن تذكر التاريخالدموي للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية والعالم أمر ضروري في ضوء جرائم واشنطن الأخيرة في فنزويلا، موطن أكبر احتياطيات نفطية معروفة في العالم، ومع إسراع الصين في اللحاق بالولايات المتحدة اقتصاديًا وعسكريًا، ومع كشف الإبادة الجماعية الصهيونية المدعومة أمريكيا للأبرياء في غزة لزيف القانون الدولي الذي يتشدقون به.

بعد كل ذلك، لم يعد ترمب بحاجة لتبرير الإمبريالية الأمريكية بشعارات الديمقراطية والحرية، حيث إن إمبريالية «القوة هي الحق» التي تسود العالم منذ هيمنة القوى الغربية ومن بعدها، هي ما يعتمد عليه ترمب وكل سياسيي أمريكا في تبرير سياسات القمع والنهب والهيمنة.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة