الحروب الصليبية على المغرب الإسلامي
من المعروف أن
الحروب الصليبية هي تلك الحروب التي شنتها أوروبا على العالم الإسلامي من منطلق
تعصب ديني رد فعل لما حل بالكنيسة المسيحية من انكماش نفود وتراجع واضمحلال بسبب
هزيمتها وتراجعها أمام الفتوحات الإسلامية التي وصلت إلى مشارف عاصمة الإمبراطورية
ومقر كنيستها القسطنطينية.
شملت تلك
الحملات كل أرض فيها إسلام ومسلمين، جعلت من آسيا الصغرى والأندلس وشمال أفريقيا
ميداناً لهذه الحملات، كما كان المشرق الإسلامي الميدان الآخر.
وأشهر الحملات
ما قام به لويس التاسع عام 1270م، على تونس التي تعرف بالحملة الثامنة مع ما كان
عليه أميرها أبو عبدالله محمد الحفصي من علاقات ودية مع حكام أوروبا المسيحيين
جعلت المؤرخ المقريزي يقول عنه: «لا يصلح أن يلي أمور المسلمين».
انتهت الحملة
الصليبية الثامنة على تونس بسبب كثرة الأمراض بين صفوف الجنود بموت لويس التاسع في
تونس عام 1270م، ولم تغب أهمية شمال أفريقيا عن أطماع الصليبيين وعلى رأسهم رومان
لول، الذي تعلم اللغة العربية وأجادها، وتبنى مشروع التبشير -التنصير– بالمسيحة في
شمال أفريقيا، وأوصى مجمع فينا الكنسي (1312-1311م) بالقيام بحملة صليبية تعبر
إسبانيا إلى شمال أفريقيا للوصول إلى مصر ودخول بلاد الشام.
باشر لول حملته
التنصيرية الأولى في شمال أفريقيا بعد أن عبر إلى تونس قادمًا من مدينة جنوى
الإيطالية عام 1292م، إلا أنه اُتهم بالشرك والدعوة للكفر، فحكم عليه بالإعدام ثم
خُفف إلى النفي، ولم يلبث إلا 5 سنوات ثم عاد عام 1307م معاودًا الكرة إلى شمال
أفريقيا فنزل مدينة بجاية مصرًا على تنفيذ مشروع تنصير المسلمين والبربر منهم
بالتحديد فلم يجد إلا الصد والثورة ضده فألقي به في السجن لمدة 6 أشهر ثم طرد مرة
ثانية من البلاد، وأصر على العودة لتونس للمرة الثالثة عام 1315م، فنزل بها مدة
وما لبث أن انتقل إلى بجاية فكانت فيها نهايته رجمًا بالحجارة عام 1316م.
استمر المغرب
الإسلامي يحتل مكانه في ذاكرة دعاة ومؤججي الحروب الصليبية؛ ما جعله عرضة للغزوات
والحملات المتكررة دون انقطاع، منها حملة لويس الثاني البربوني عام 1390م، التي
اتجهت نحو المهدية وحاصرتها لمدة تزيد على شهرين، أُجبر فيها حاكم تونس بالتعهد
بعدم تعرضه للمسيحيين في بلاده بأدنى أذى.
لم تتوقف
الحملات الصليبية على المغرب الإسلامي حتى إن المؤرخين يقولون: إن الحروب الصليبية
نقلت ميدانها من المشرق إلى المغرب في القرن الخامس عشر على وجه التحديد، من خلال
تزعم الإسبان والبرتغاليين لهذه الحملات التي مكَّنت الإسبان من احتلال بعض
الأجزاء الساحلية للجزائر، في حين احتلت البرتغال بعض أجزاء من سواحل الغرب
الأفريقي.
وفي الأندلس،
كانت الحروب الصليبية ضد الوجود الإسلامي في الأندلس الذي عرف في الأدبيات
الإسبانية بـ«حرب الاسترداد» التي ذكتها الشعارات الصليبية، وما صاحبها من أعمال
إبادة وتنكيل للمسلمين باسم المسيحية والصليب التي توجت بـ«محاكم التفتيش» ما
ارتكبته من فظائع دونتها المصادر المسيحية من خلال دعوات الباباوات لاستئصال
الإسلام من الأندلس وبقرارات من الملوك الإسبان من قتل وإجبار على ترك الإسلام رغم
المعاهدات والتعهدات بحماية معتقدات المسلمين واحترام مساجدهم.
إلا أن حملة
التنصير والتعذيب والتهجير للمسلمين، وخاصة بعد سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين في
الأندلس عام 1492م وظهور ما عرف بـ«محاكم التفتيش» التي تجبر المسلمين على ترك
دينهم والدخول في المسيحية، أو التعرض لأبشع أنواع التعذيب أو الهروب إلى سواحل
شمال أفريقيا هربًا بدينهم وأرواحهم.
وما منع الإسبان
من احتلال شمال أفريقيا تنفيذًا لمشروعهم الصليبي التنصيري إلا التدخل العثماني
بدعوات من مناطق شمال أفريقيا التي تمثل ليبيا وتونس والجزائر حاليًا.
وتعد مرحلة
الاستعمار المعاصر مرحلة من مراحل الحروب الصليبية من خلال الحملات التنصيرية
(التبشيرية) التي قامت بها الدول الاستعمارية سواء الاستعمار الإيطالي في ليبيا
(1942- 1911م)، والاستعمار الفرنسي لتونس (1956 - 1881م)، والاستعمار الفرنسي
للجزائر (1830 – 1962م)، والاحتلال الفرنسي للمغرب (1912 – 1956م).
وأول هدف وآخر
هدف لهذه الحملات التي شعارها الصليب تحويل المسلمين إلى النصرانية طوعًا أو كرهًا،
أو القضاء عليهم بإفنائهم عن بكرة أبيهم، ولعل المجازر التي ارتكبتها الحملات
الصليبية والاستعمار الحديث في شمال أفريقيا وباقي بلاد الإسلام لدليل حي على
إجرام هذا المشروع الذي لم ولن يتوقف إلا لو تسلح المسلمون واستعدوا الاستعداد
المادي والمعنوي والعقائدي الذي يمكنهم من صد أي محاولة لإعادة الكرة عليهم.
وليحذروا من أن
يتم غزوهم بأي صورة من صور الحملات المباشرة بالغزو العسكري أو غير المباشرة
بالغزو الثقافي، والفكري، في عصر العولمة وعصر الاتصالات وهجوم الأفكار المنحرفة
التي آخرها فكرة «الإبراهيمية»، وما سوف تأتي به الأيام القادمة أشد وأنكى.