ما بعد «برلين».. هل سقطت الأقنعة عن وجه «الإغاثة المسيَّسة» في السودان؟!

في مقالنا السابق، وعشية انعقاد «مؤتمر برلين» حول السودان، طرحنا تساؤلات حول جدلية التمثيل وهواجس السيادة، وتوقفنا عند مؤشرات مبكرة توحي بأن المؤتمر لا يمكن قراءته كحدث إنساني خالص، فهو جزء من مسار أكثر تعقيداً تتداخل فيه الاعتبارات السياسية مع العناوين الإغاثية.

واليوم، وبعد أن انفض سامر المؤتمر وأُعلنت التعهدات المالية التي قاربت 1.5 مليار دولار، لا تبدو تلك التساؤلات قد تلاشت، وتبدو المؤشرات التي أشرنا إليها أقرب إلى حقائق مؤكدة، في ظل اتساع الجدل حوله داخل السودان وخارجه؛ ما يفرض قراءة تحليلية جديدة لا تعيد طرح نفس الأسئلة بقدر ما تضع مخرجات المؤتمر في الميزان؛ فهل بددت المخرجات تلك الهواجس، أم أنها عمّقت المخاوف التي حذرنا منها ووسّعت نطاقها؟

من حيث الشكل، بدأ المؤتمر كاستجابة مألوفة لأزمة إنسانية معقدة، ومحاولة لتخفيف وطأة المعاناة التي يعيشها ملايين السودانيين، لكن من حيث المضمون، أعاد إنتاج نمط يتكرر في الحالة السودانية منذ سنوات؛ ضخ موارد مالية تحت لافتة الإغاثة، دون اقتراب حقيقي من جذور الأزمة.

أرقام مكررة لواقع متأزم

أول ما يلفت النظر في مخرجات المؤتمر هو «النمطية الدولية» في التعاطي مع الشأن السوداني؛ فالتعهدات الحالية تكاد تطابق ما أُعلن في برلين عام 2020م (1.8 مليار دولار)، هذه المفارقة تشير بوضوح إلى أن المجتمع الدولي ما زال يتبنى إستراتيجية إدارة الأزمة بدلاً من اجتثاث جذورها، فإذا كانت التعهدات المليارية السابقة التي لم تجمع بعد، لم تحل دون الانزلاق إلى الحرب الشاملة، فما الذي يضمن أن التعهدات الحالية ستجمع في الأساس، وإذا جمعت لن تكون مجرد مسكنات مؤقتة لجسد وطن يحتاج إلى جراحة وطنية سيادية لا إلى ضمادات خارجية؟

تكريس الوصاية وتغييب الدولة

لقد صدقت التوقعات بشأن استبعاد الحكومة السودانية الرسمية عن منصة القرار، وهو ما يمثل طعنة في خاصرة السيادة الوطنية تحت غطاء العمل الإنساني.

إن تجاوز مؤسسات الدولة الرسمية في توزيع المساعدات أو رسم مسارات الحل، قد تفهم كمحاولة صريحة لفرض واقع سياسي موازٍ، وإعادة تعريف الشرعية وفق أهواء القوى المنظمة للمؤتمر، هذا النهج لا يضعف الدولة فحسب، بل يكرس مبدأ الوصاية الدولية الذي يرفضه السودانيون جملة وتفصيلاً.

«تقدم» والبحث عن شرعية مفقودة

كان لافتاً في أروقة برلين حضور تنسيقية «تقدم»، التي بدت وكأنها تستجدي من العواصم الأوروبية ما عجزت عن نيله من الشارع السوداني، وفي الوقت الذي يحاول فيه هذا المكون تسويق نفسه كـ«رافعة مدنية»، تظل فجوة الثقة بينه وبين المواطن السوداني في اتساع؛ خاصة بعد المواقف الرمادية من انتهاكات المليشيات المتمردة.

وإن محاولة استخدام «برلين» كمنصة لإعادة تدوير قوى سياسية لفظها الوجدان الشعبي، تجعل من المؤتمر طرفاً في النزاع لا وسيطاً للحل.

عدالة الضحايا.. وتوازنات المصالح

إن ما يغيب عن أذهان المنظرين في برلين هو أن الأزمة السودانية اليوم تجاوزت سياق الصراع على السلطة لتصبح قضية عدالة ومسؤولية، فالمزاج الشعبي الذي تشكل تحت وطأة النزوح والنهب، لا يمكن إرضاؤه بوعود تمويلية إذا كانت ستُدفع كثمن لتجاوز حقوق الضحايا أو شرعنة مرتكبي الانتهاكات، بالنسبة للسودانيين، السيادة الحقيقية هي حقهم في تقرير مصيرهم بعيداً عن الحلول المعلبة التي تُطبخ في الغرف المغلقة.

القرار في الخرطوم أم برلين؟

مخرجات مؤتمر برلين، مهما بلغت قيمتها المادية، ستظل عاجزة عن إحداث فارق حقيقي ما لم تصطحب معها الثقة والقبول الداخلي، وكما أكدنا سابقاً، فإن الثقة لا تُبنى في عواصم الخارج البعيدة، بل تُنتزع من داخل السودان عبر احترام مؤسساته الوطنية والوقوف بصلابة خلف إرادة شعبه.

لقد أثبت «برلين» مرة أخرى أن الطريق إلى إنقاذ السودان يبدأ من الاعتراف بشرعية دولته، والكف عن محاولات هندسة مستقبله عبر قنوات موازية؛ فالحلول التي لا تحترم كرامة الإنسان السوداني وسيادة أرضه، ولدت ميتة مهما كثر الباكون عليها في المحافل الدولية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة