«مؤتمر برلين» حول السودان.. جدلية التمثيل وهواجس السيادة

ناجي الكرشابي

15 أبريل 2026

215

مع اقتراب موعد انعقاد «مؤتمر برلين» حول السودان، تتصاعد في الداخل السوداني موجة رفض عارمة تشكّلت من تحالف عفوي بين الحكومة الشرعية، وأغلبية القوى السياسية، والمزاج الشعبي العام، هذا الرفض لا ينطلق من معارضة الدعم الإنساني، بل من مخاوف عميقة تتعلق بـ«تسييس الإغاثة»، وطبيعة الأجندة المطروحة، واحتمالات تأثيرها على توازنات المشهد الداخلي ومسألة الشرعية السياسية، بجانب محاولة فرض شرعية لأطراف فقدت رصيدها الشعبي والسياسي في آن واحد بسبب مواقفها من الحرب.

الاصطدام بالسيادة الوطنية

ترى الحكومة السودانية أن أي مسار دولي يناقش مستقبل البلاد يجب أن يتم عبر قنواتها الرسمية، وتستند في رفضها للمؤتمر إلى أسس قانونية ودبلوماسية تتعلق بضرورة احترام مبدأ السيادة الوطنية وعدم تجاوز مؤسسات الدولة القائمة، وترى أن تجاوز الدولة إضعافٌ للشرعية، وأن عقد مؤتمر دولي لمناقشة مستقبل السودان في غياب حكومته الرسمية يُعد سابقة خطيرة تخالف ميثاق الأمم المتحدة، وتكرّس لنهج الوصاية الذي يرفضه السودان جملةً وتفصيلاً.

المساواة بين الدولة والتمرد

أيضاً تتحفظ الحكومة السودانية على أي صيغة قد تُفهم كمساواة بين الدولة وأطراف مسلحة، وتبدي قلقها من أن يؤدي تعدد المسارات إلى إضعاف الجهود الداخلية للحل، وترفض المشاركة في أي منصة تضع مؤسسات الدولة الرسمية في كفة واحدة مع «مليشيا متمردة» ارتكبت انتهاكات جسيمة، معتبرةً أن ذلك يهدف لشرعنة التمرد سياسياً بعد فشله عسكرياً.

إجماع الأغلبية العظمى

في المقابل، يبدي قطاع واسع من القوى السياسية، خاصة المرتبطة باتفاق جوبا وعدد من التيارات الوطنية التي تمثل الأغلبية العظمى من المكونات السياسية السودانية، رفضه للمؤتمر (ما عدا حركة مناوي وكيان الشمال، حيث تقتصر مشاركتهما على صفة مراقب، كما صرّح بذلك حاكم إقليم دارفور ورئيس الحركة)، بينما تتحفظ هذه القوى من صناعة مسار موازٍ؛ إذ تخشى أن يكون المؤتمر بوابة لإعادة إنتاج قوى سياسية محددة (تنسيقية «تقدم») وفرضها كممثل وحيد للمدنيين، وهو ما يعتبره الرافضون هندسة خارجية للمشهد السياسي.

كما تنادي بضرورة أن تكون أي عملية سياسية للأزمة شاملة وغير إقصائية، وتؤكد أن أي عملية تستثني القوى التي انحازت للدولة وللمواطن في محنته عملية ولدت ميتة ولا تعبر عن خارطة الطريق الوطنية المطلوبة.

في المقابل، ترى تنسيقية «تقدم» في المؤتمر فرصة لتحريك الجمود وفتح قنوات دولية للحل.

عقدة الحل المرفوض

لا يمكن تجاهل أن الحرب منذ أبريل 2023م تركت أثراً عميقاً في الشارع السوداني، وهو ما انعكس في حساسية عالية تجاه أي ترتيبات سياسية يُنظر إليها كمنح شرعية لأطراف ارتبطت بانتهاكات، وتراجع الثقة في بعض الفاعلين السياسيين نتيجة مواقفهم خلال الحرب، بجانب تنامي النزعة نحو الحفاظ على القرار الوطني ورفض أي تدخل خارجي في الشأن الداخلي.

لذلك، يعد المزاج الشعبي اليوم العائق الأكبر أمام أي تحرك دولي يحاول إعادة «قوات الدعم السريع» أو واجهاتها السياسية إلى المشهد، خاصة بعد تضررها بشكل مباشر من النهب والتهجير والاعتداءات، حيث ترفض أي تسوية تمنح المليشيا دوراً في المستقبل، ويعتبر ذلك خيانة لدماء الضحايا.

رفض القوى الداعمة للمليشيات

كذلك هناك سخط شعبي واسع تجاه القوى السياسية التي تبنت مواقف رمادية أو مبررة لانتهاكات المليشيا، ويرى السودانيون أن هذه القوى لم تعد تملك تفويضاً أخلاقياً للتحدث باسمهم في برلين أو غيرها، ويسود شعور عام بالاعتزاز بالقرار الوطني المستقل، حيث ينظر الكثيرون إلى المؤتمرات الخارجية كأدوات لتقسيم البلاد أو فرض حلول معلبة تخدم مصالح القوى الإقليمية والدولية لا مصلحة المواطن السوداني.

المزاج الشعبي.. الحائط الصلد

في هذا السياق، قد يخطئ المجتمع الدولي إذا اعتقد أن بإمكانه تجاوز هذا الرفض العريض؛ فالسودان بعد 15 أبريل 2023م ليس كما قبله، وإن أي محاولة لفرض واقع سياسي لا يحظى بقبول شعبي ومؤسسي ستؤدي إلى تعميق الأزمة بدلاً من حلها، كما ستقود هذه الضغوط إلى زيادة الانقسام واصطفاف الشعب خلف مؤسساته الوطنية ضد التدخلات الأجنبية، وفقدان الثقة بالوسطاء، وقد يتحول الميسّرون (مثل ألمانيا) إلى أطراف في النزاع في نظر الأغلبية السودانية، مما يغلق أبواب الحوار الحقيقي مستقبلاً.

ويضيف أن «مؤتمر برلين»، بتركيبته الحالية وأجندته المسيسة، يصطدم بجدار صلب من الرفض الرسمي والشعبي، وأن الطريق الوحيد لإنقاذ السودان يبدأ من الاعتراف بشرعية مؤسساته، واحترام كرامة شعبه، والكف عن محاولات إعادة تدوير القوى والمليشيات التي لفظتها إرادة السودانيين.

البحث عن شرعية مفقودة

في المقابل، تنظر تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) بقيادة عبدالله حمدوك إلى مؤتمر برلين كفرصة لإعادة تنشيط المسار السياسي عبر الدعم الدولي، خاصة في ظل تعثر المبادرات الداخلية، وتندفع نحوه باعتباره طوق النجاة الأخير والباب الوحيد المتاح لها دولياً بعد أن أوصدت أبواب الداخل السوداني في وجهها، وتأتي هذه الاستماتة في التمسك بالمبادرات الخارجية نتيجة حالة العزلة الشعبية الخانقة التي تعيشها هذه القوى، كما أن اعتمادها على المنصات الخارجية قد يُفسَّر كبديل عن الحاضنة الداخلية.

غير أن هذا التوجه يواجه انتقادات من خصومها، الذين يرون أن بعض مواقفها خلال الحرب أضعفت رصيدها الشعبي، وأن انخراطها في تفاهمات، وتوقيعها على «إعلان أديس أبابا» السياسي مع «الدعم السريع»، جاء متزامناً بشكل مأساوي مع اجتياح المليشيات لولاية الجزيرة وارتكابها جرائم حرب مروعة وانتهاكات جسيمة طالت المدنيين في قراهم وبيوتهم، وأن صمت هذه القوى وعجزها عن إدانة تلك الجرائم بشكل صريح ومباشر، واكتفاءها بلغة دبلوماسية باهتة ساوت بين الضحية والجلاد، جعل الشارع السوداني ينظر إليها كظهير سياسي للمليشيا، وليس كطرف مدني محايد.

لذا، يمثل «مؤتمر برلين» لهذه المجموعة محاولة التفاف على السخط الشعبي والحصول على اعتراف دولي يعوضها عن فقدان الحاضنة الوطنية، في محاولة لفرض واقع سياسي يتجاوز المزاج العام الرافض لأي تحالف يمنح مرتكبي الجرائم في السودان غطاءً سياسياً أو دوراً في مستقبل البلاد، في حين تؤكد هذه القوى أن هدفها هو وقف الحرب وفتح مسار سياسي شامل، وليس منح شرعية لأي طرف.

تحدي القبول الداخلي

أي مخرجات لمؤتمر برلين ستواجه اختباراً حقيقياً داخل السودان، حيث إن غياب التوافق الداخلي قد يحد من فرص تنفيذ أي تفاهمات، وضعف الثقة بين الأطراف السياسية يعقّد فرص بناء تسوية مستقرة، كما أن تجاوز المزاج العام قد يؤدي إلى نتائج عكسية بدلاً من دفع الحل.

ويعكس الجدل حول «مؤتمر برلين» أزمة أعمق تتعلق بتعريف الشرعية، وحدود الدور الدولي، وشكل العملية السياسية المطلوبة، وبينما ترى أطراف أن المؤتمر يمثل تدخلاً غير مرغوب فيه، تعتبره أخرى فرصة لا يمكن تجاهلها.

وفي جميع الأحوال، يبقى نجاح أي مبادرة مرتبطاً بقدرتها على تحقيق حد أدنى من القبول الداخلي، دون ذلك ستظل أي مخرجات عرضة للتعثر مهما كان حجم الدعم الدولي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة