فرص الأسلمة في الدولة الحديثة

عامر شماخ

07 ديسمبر 2025

149

هل الدولة الحديثة عقبة أمام «الأسلمة» أم فرصٌ لها؟ يُطرح هذا السؤال كخلاصة لإشكالية بين مرجعيتين تنظيميتين، وليس صراعًا بين دين وحداثة كما يصدّرها البعض؛ ما يتيح صيغة توافقية تجعل قيم الشريعة مرجعًا أخلاقيًّا لممارسة شؤون الدولة الحديثة.

وبهذا؛ فإن «الأسلمة» بمفهومها الجامع، القائم على إدماج المرجعية الإسلامية، بنصوصها وقيمها وأحكامها، في مجالات الحياة كافة، يمكن أن تتخذ طابعًا قانونيًّا مؤسسيًّا، تدريجيًّا ثقافيًّا، ضمن مشروع فكري/ اجتماعي، يهدف إلى هيمنة الإسلام كمصدر موجه في مسار وممارسات دولة المواطنة، المستندة إلى قوانين ومؤسسات رسمية وبيروقراطية منظمة.

مبادئ عامة لنظرية الدولة في الإسلام

قبل الحديث عن فرص الأسلمة في الدولة الحديثة، يجب الإشارة أولًا إلى مبادئ حاكمة لنظرية الدولة في الإسلام، وأبرزها:

  • مرجعيتها الكتاب والسُّنة، وهي قائمة على حماية الحقوق والحريات، وتحقيق المصلحة العامة.
  • لا فصل فيها بين شريعة وسياسة، وتعترف بالتنوع الديني والعرقي.
  • الأمة مصدر السلطات، والشورى أساس الحكم.
  • اختيار الحاكم رهن رضا الأمة، وهو يُسألُ ويُحاسب، ويُعزل إذا أخطأ.

ومنها يتبين ألّا تعارض بين دولة الإسلام ودولة المواطنة، وألّا مجال لفصل الدين عن الدولة، فالإسلام دينٌ شامل ينظِّم الاجتماع والاقتصاد والسياسة وغيرها، ويجيزُ كلَّ أمر عادل من شأنه صالح الأمة وسلامة مجتمعاتها.. وأما ما يُطرح من محاولات لعزل هذه عن تلك فهو منكرٌ دخيلٌ علينا، فالولاء للوطن ليس منافيًا للولاء للدين، والإسلام أقر التعدد، وفي داخله الهُوية، والتي توسِّع دائرة الأوطان ولا تضيّقها، عكس ما يرى التغريبيون والطائفيون.

أدوات ووسائل الأسلمة في بنية الدولة

من أجل دمج المرجعية الإسلامية ضمن إطار الدولة الحديثة تُستخدم مجموعة واسعة من الأدوات، الثقافية والوظيفية، بدءًا من الأدوات الدستورية والقانونية، وانتهاء بالأدوات السياسية؛ فيجب تحديد هُوية الدولة تحت مسمى «ذات مرجعية إسلامية»، وما يتبعه من سنِّ قوانين تقرُّ الشريعة الإسلامية كمصدر أساس للتشريع، وتدشين الوزارات والمؤسسات الإدارية التي تتولى دور الإرشاد والتوجيه، وأسلمة البيروقراطية، بتضمين المعايير الأخلاقية في اللوائح المهنية، وتدريب الموظفين على ذلك.

والأمر ذاته ينطبق على مناهج التعليم، بأسلمة العلوم، وتأسيس خطاب ديني رسمي، يعزز القيم الإسلامية المتعلقة بالأسرة والمجتمع، ويضبط المساحة الأخلاقية، بالتوازي مع سن قوانين للآداب العامة.

وفيما يتعلق بالأدوات الاقتصادية والمالية؛ يُفسح المجال لدعم الصيرفة الإسلامية، والاهتمام بشأن الوقف والزكاة والضريبة الإسلامية.. أما شرعنة السلطة عبر الأسلمة فيكون بالمشاركة السياسية، وإضفاء الشرعية على القرارات أو المشروع السياسي للدولة.

فرص الأسلمة المتاحة في ظل التحولات العالمية

في ظل التحولات العالمية، من عولمة وتقنية وتحوّلات اقتصادية وتعددية قيمية، تتوافر أمام «مشروع الأسلمة» فرصٌ حقيقية داخل الدولة الحديثة، عبر إستراتيجية تدريجية، مؤسسية، ناعمة، قائمة على تعميق الوعي وبناء النماذج، ومن تلك الفرص:

1- فرص فكرية ومعرفية: لما يمثله الإسلام من مخزون قيمي، يثبت يومًا بعد يوم صلاحيته كإطار مرجعي للسياسات العامة، خصوصًا بعد انحسار السرديات الأخرى المعادية.

2- فرص سياسية: فيمكن إدخال قيم إسلامية إلى شبكات الدولة الحديثة، عبر مجالات: التشريع والأسرة والتعليم والتمويل والعدالة.. إلخ.

3- فرص اقتصادية وتنموية: وهذه الفرص أفضل حظًّا من غيرها، بعد صعود التمويل الإسلامي عالميًّا، وانتشار المصارف الإسلامية، في ظل الأزمات الإنسانية كالفقر، والديون، وعدم المساواة.. إلخ.

4- فرص اجتماعية وثقافية: بتمتين المجتمع المدني الإسلامي، عبر المؤسسات الأهلية بأنواعها، وتوفير قاعدة اجتماعية تمثل حاضنة لمشروعات الأسلمة وتعزيز الهوية.

5- فرص التقنية والتحول الرقمي: بنشر الوعي بالقضايا الإسلامية، وبناء شبكات دعوية وتربوية عابرة للحدود، والاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى معرفي أفضل، يعزّز الاحتراف في مشروع الأسلمة.

6- فرص التحكيم بين البشر: والقيام بأدوار دبلوماسية وحضارية لتكريس قيم العدل والسلام؛ لما يمتلك الإسلام من تراث غني في إدارة الصلح والتنوع وتكامل الهويات.

7- فرصة القوة الديمغرافية: فمع بلوغ المسلمين أكثر من ربع سكان العالم، وتوقعات تضاعف هذا الرقم في المستقبل القريب، غير التحولات الكبيرة إلى الإسلام كدين، تزداد الحاجة إلى أُطر قانونية وسياسية وثقافية تستوعب هذا التمدد الكبير.

كيف نعزّز الفرص؟

وإذا كان «مشروع الأسلمة» يقابل ببعض التحديات المصطنعة من جانب البعض، لاختلاف النموذج الحضاري الذي بُنيت عليه الدولة الحديثة مقارنة بنموذج دولة الإسلام؛ فإن الأمر يتطلب مقاربات جديدة وإبداعًا فقهيًّا يتجاوز النقل الحرفي، ويتعامل بحكمة ومرونة مع متطلبات دولة المواطنة، مع تقييم التجارب التاريخية التي طبّقت الأسلمة، وتحديث القوانين المدنية بما يتوافق مع الأهداف الكلية للشريعة، وربط القيم الإسلامية بالعلوم الحديثة والمهارات المدنية والتفكير النقدي.

والأهم؛ تبني خطاب يؤكد أن «الأسلمة» ليست فرضًا قسريًّا، بل عملية مجتمعية تتم عن قناعة ووعي، دون المساس بحقوق الأقليات، ودون إقصاء لأحد.. وفي الفكر الإسلامي متسعٌ لنشر قراءات معاصرة تتسم بالاعتدال والعقلانية، والاستناد إلى الحوار، وقبول التعددية. 



اقرأ أيضاً:

سؤال «الأسلمة».. من هنا نبدأ

«الإيدز الحضاري».. انهيار حارس البوابة

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة