سؤال «الأسلمة».. من هنا نبدأ

إسلام عبدالعزيز

02 ديسمبر 2025

1212

(1)

كانت الفكرة، طوال عقود، تبدو كأنها مشروع ضخم يحتاج إلى مؤتمر فكري، أو قرار دولة، أو بيان طويل مكتوب على أوراق رسمية تحمل أختامًا كثيرة.

«أسلمة المجتمع»، العبارة ذاتها بدت –في عيون النخبة– شعارًا متوتّرًا، يلوّح بحلم كبير لكنه لا يُمسك شيئًا على الأرض، بعضهم هاجمها باعتبارها دعوة إلى فرض نمط حياة على الجميع، وبعضهم سخر منها لأنها لا تُرى في واقع الناس، بينما هي تملأ الكتب والمنابر والبرامج.

لكن الحقيقة التي تُفلت من كل هذا الجدل أن «أسلمة المجتمع» ليست مشروعًا فوقيًّا، ولا صيغة سياسية، ولا حتى خطة اجتماعية تُوضع في أدراج الوزارات، إنها –ببساطة– سلوك يومي صغير يتكرر في الشارع والبيت والعمل.. لكننا، كعادتنا، نحب أن نرفع الشعارات الكبيرة قبل أن نتعلم الأبجديات الصغيرة.

إن أيّ مجتمع لا يتأسلم بشعار، ولا بخطاب صارخ، ولا حتى بمظاهر حياة عامة تبدو «متدينة» من الخارج.

المجتمع يبدأ من الداخل، من تلك اللحظات غير المرئية؛ الموظف الذي يرفض رشوة صغيرة لا يراها أحد، والسائق الذي يتذكر أنه يُحاسَب على طريقته في الطريق قبل أن يُحاسَب على صلاته، والأم التي تُربّي أولادها على أن النظافة ليست عادة حضارية فقط، بل عبادة، والفتاة التي ترى أن حياءها ليس ضعفًا، بل قوة داخلية لها ظلّ دينيّ خفيف.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تُنشئ «نمطًا عامًا»، والنمط العام هو الذي تسير فيه المجتمعات دون أن تشعر، فإذا تغيّر، تغيّر كل شيء من بعده.

(2)

منذ سنوات طويلة، اشتعل جدل واسع حول «أسلمة الدولة» أو «أسلمة القانون»، لكن قليلين التفتوا إلى أن «أسلمة المجتمع» أعمق من الدولة، وأقرب من القانون.

فالدولة يمكن أن تضع تشريعات صارمة، ويمكن أن تُعلن برامج أخلاقية، ويمكن أن تُنظّم حملات عامة، لكن هل يمكنها أن تُجبر إنسانًا أن يكون أمينًا؟ أو صادقًا؟ أو رحيمًا؟ أو نظيفًا؟

القوانين تستطيع أن تمنع الجريمة، لكنها لا تستطيع صناعة الأخلاق، وهنا بالضبط تقع الأزمة التي لم تُناقَش بجدّية وسط النخبة؛ ليس المقصود من «أسلمة المجتمع» صناعة مجتمع دينيّ بالمعنى الأمني أو السلطوي، بل صناعة مجتمع إنسانيّ بقيم دينيّة، والفرق كبير، بل جوهري.

إن إحياء قيمة «الأمانة» في الشارع أهم من بناء ألف خطبة، وإعادة قيمة «الحياء» إلى الواجهة أقوى من فتح آلاف المعاهد، وإعلاء قيمة «الرحمة» في التعامل اليومي أعظم من أي حملة وعظية.

بعضهم يظن أن «الأسلمة» لا تتحقق إلا عبر قوة صادمة، وكأن المجتمع يُسحب من يده إلى المسجد، لكن الحقيقة أن المسجد نفسه ليس هدفًا، بل محطة تغذي تلك التفاصيل الصغيرة التي تشكّل الوعي الجمعي.

ليس مطلوبًا من أحد أن يفرض على الناس التدين، بل المطلوب أن يسهم في إضاءة الطريق أمامهم كي يتدينوا كما يشاؤون، من داخلهم لا من فوقهم.

(3)

حين نقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نجد أنه لم يبدأ بناء المجتمع بالأوامر الكثيرة، بل بدأه ببناء الشخصية التي لا تنتظر تلك الأوامر.

لم يقل للناس: «كونوا مجتمعًا إسلاميًا»، قال لهم عمليًا: «كونوا صادقين، رحماء، واعين، مسؤولين».

ولم يكن يكتفي بالخطاب، بل كان يصنع من كل حركة صغيرة نموذجًا تربويًا.

نظرة النبي صلى الله عليه وسلم للناس كانت تبدأ من حياتهم العادية: كيف يمشون؟ كيف يبتسمون؟ كيف يتعاملون في السوق؟ كيف يقبلون الاختلاف؟ هذا هو البناء الحقيقي؛ بناء العادات.

أحيانًا يظن البعض أن المجتمع يُبنى من الأعلى؛ من المؤسسات والأنظمة، لكن الواقع أن المجتمع يُبنى من الأسفل؛ من العادات ثم الأخلاق ثم الوعي ثم الهوية.

وحين تُبنى الهوية عبر هذه السلسلة، تصبح ثابتة لا تُفرض ولا تُلغى.

(4)

وهنا نصل إلى المسألة الجوهرية التي نريد إيصالها: إن «أسلمة المجتمع» ليست مشروعًا ضد الحرية، وإنما مشروع لتحرير الأخلاق من الفوضى.

هي ليست محاولة للسيطرة على نمط الحياة، بل محاولة لإنقاذ نمط الحياة من الانهيار.

المجتمع اليوم يعاني من انفصال بين التدين والسلوك، انفصام بين القيم النظرية والحياة الواقعية، فقدان الحسّ الجماعي بالمسؤولية، وانتشار الفردانية التي تقتل إنسانية الإنسان، وكل هذا لا تُعالجه القوانين، بل تُعالجه العادات.

العادات اليومية هي التي تجعل الإنسان «مسلمًا» بمعنى مستقيمًا، نظيفًا، أمينًا، رحيمًا، عادلًا، وليست «مسلمًا» بمعنى صاحب طقوس دينية فحسب.

إن من أكبر أخطاء الخطاب الديني خلال العقود الماضية أنه جعل الإيمان تخصصًا، وجعل التدين مشهدًا، وجعل «أسلمة المجتمع» هدفًا ضخمًا لا يقدر عليه إلا الحركات والدول، بينما الهدف -في جوهره– أقرب إلى أن يُحمَل في جيب كل فرد.

إننا نُصلّي 5 مرات، لكن نغضب 50 مرة، نقرأ القرآن كل أسبوع، لكن نغتاب الناس كل يوم، نصوم شهرًا، لكن نكذب بلا حساب في بقية الشهور.

نريد مجتمعًا إسلاميًا، بينما المجتمع في عاداته اليومية لا يزال ضعيفًا، مرتبكًا، هشًّا.

الأسلمة ليست معركة سياسية، بل معركة ضمير، وليست صراعًا هوياتيًا، وإنما صراعً على «نمط حياة»، وليست ثورة على الدولة، بل ثورة على الذات.

والفرق بين المجتمع الإسلامي والمجتمع غير الإسلامي ليس في كثرة المساجد، وإنما في نظافة الشوارع، وعدالة البيع، واحترام الوقت، وحفظ اللسان، وسلامة القلب، ووعي الضمير.

هذه الأمور الصغيرة هي التي تصنع في النهاية صورة المجتمع، ومن هنا يصبح الطريق إلى «أسلمة المجتمع» طريقًا بسيطًا، شعاعًا بعد شعاع.

إن أسلمة المجتمع ليست مشروعًا يُرفع فوق الرؤوس، بل معنى يسري في الناس، لا تُفرض بالقوة، بل تُغرس بالقدوة، ولا تُصنع في القاعات، بل تبدأ في الأزقّة والبيوت والمكاتب وأماكن العمل.

إن أردنا حقيقة أن نرى مجتمعًا إسلاميا فلنبدأ من أبسط نقطة، وهي أن يكون كل فرد مسلمًا في عاداته قبل أن يكون مسلمًا في طقوسه وشعاراته.

وهذه وحدها هي الثورة الهادئة التي تبني الأمم.



اقرأ أيضاً:

التديُّن الفردي.. الخلاص الآمن!

المسؤوليات الاجتماعية للفرد الفاضل

منظومة القيم الإسلامية.. وجاذبية التقاطع الحضاري

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة