...

خريف العمر ربيع الحياة!

أستاذي الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مشكلتنا تتعلق بوالدينا، نشأنا في أسرة طيبة؛ ولد وثلاث بنات، كبرنا وتزوجنا، وكانت علاقة والدينا تسير طبيعية إلا من بعض المشكلات التي حرصا على ألا تؤثر على حياتنا.

أمي كانت تعمل، وناجحة جداً في عملها، تقاعد أبي منذ 5 سنوات وأصبحت الكلمات المتقاطعة أنيسه والمقهى ملاذه، وازداد معدل تدخينه، وبدأت صحته في الذبول، وتقاعدت أمي منذ سنتين وازدادت مشكلاتها؛ فهي دائماً ساخطة، ناقدة تعاني من الأرق، قلقة وتشيع قلقها بيننا.

وقد ازداد معدل الخلاف بين والدينا، يجتران مشكلاتهما السابقة بعدوانية وانتقام، كل منهما يعيش بمعزل عن الآخر، يهرب أبي إلى المقهى للعب الطاولة وشرب النرجيلة، وكثيراً ما يقضي وقته دون أصحابه منفرداً هروباً من أمي، وأمي قد تفتح التلفاز، ولكنها عادة ما تكون غارقة في ذكريات أو أوهام لا نعلمها، لكنها دائماً حول أحداث ألمّت بها سابقاً، تستعذب الألم والحزن ثم تبثه لنا، دائمة الشكوى، وأهملت نفسها في ملبسها ومأكلها، وذبُلت.

ولكن في المقابل، زادت (أمي) ميولها نحو السيطرة وفرض رأيها بالصراخ والاستئثار، خاصة مع أخي الوحيد، وهو يبلغ 32 عاماً ومتزوج وله أسرته، تتعمد عندما نحاول الخروج معاً للترفيه عنها، أن تمسك بيديه كأنه طفل وتبعده عن زوجته، للأسف أصبحت أمنا مصدر قلقنا، وكاد يؤثر ذلك على حياتنا الخاصة مع أزواجنا وأولادنا، نتمنى أن تجد لنا حلاً.

التشخيص

حالة الأم: بؤرة المشكلة:

1- أزمة الهوية ما بعد التقاعد: كانت الأم تستمد قيمتها الذاتية وإحساسها بالكفاءة من عملها المهني الذي كانت ناجحة فيه، فجأة انهار هذا «الصرح النفسي» الذي كانت تجد فيه ذاتها، فوقعت في فراغ وجودي حاد.

2- اجترار الآلام: غرقها في ذكريات مؤلمة واستعذابها للحزن نمط معرفي خطير يُغذّي الاكتئاب ويمنع الشفاء، إنها تعيش في الماضي لأن الحاضر فقد معناه.

3- اضطراب الارتباط الانعكاسي: إمساكها بيد ابنها كطفل وإبعاده عن زوجته ارتداد إلى دور الأمومة المبكرة كتعويض عن الفراغ، وهو يُدمّر العلاقات ويخلق توتراً أسرياً حاداً.

4- مؤشرات الاكتئاب: الأرق وإهمال المظهر والشكوى المستمرة والعزلة العاطفية والسخط الدائم (يستحق تقييماً طبياً).

حالة الأب: الهروب الصامت:

1- نموذج الرجل الصامت المنهزم؛ لجأ إلى المقهى والتدخين والطاولة كـمخدّر اجتماعي لا كتواصل حقيقي، وأحياناً يجلس منفرداً، وهذا مؤشر على اكتئاب مقنّع يختبئ خلف الهروب.

2- تدهور صحي مرتبط نفسياً؛ ذبول الصحة، وزيادة التدخين، والكلمات المتقاطعة كنشاط وحيد، واستسلام وفقدان للدافعية نحو الحياة.

3- العجز عن المواجهة؛ هروبه من الأم بدلاً من المعالجة يعكس نمطاً تجنّبياً متجذّراً، ربما ظل كامناً طوال سنوات الزواج.

الإشكالية الجوهرية أن كلا الوالدَيْن لم يُعِد نفسه روحياً ولا نفسياً لهذه المرحلة، من المفاهيم الإسلامية، والشيخوخة مرحلة تزهّد وتقرّب وحصاد روحي، لكنهما لم يبنيا هذا الرصيد مسبقاً، فوجدا أنفسهما في فراغ مزدوج؛ فراغ الوقت وفراغ المعنى؛ لذا فالولدان يعيشان اجترار المشكلات القديمة بعدوانية وانتقام، هذا يحدث بسبب:

  • لم تعد هناك مسؤوليات (العمل، تربية الأبناء) تصرف الانتباه عن الجراح القديمة.
  • الفراغ يُكبّر الجراح ويجعلها حاضرة بقوة.
  • كل منهما يحمّل الآخر مسؤولية تعاسته الحالية.

الأسباب

1- الفراغ:

بعد أن كانت الوظيفة تملأ اليوم، ولا يتبقى إلا سويعات قليلة لمتابعة باقي الأنشطة، التي أيضاً قد تُشغل أحياناً بتحضير لعمل الغد، فجأة فراغ تام، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «نِعمَتانِ مَغبونٌ فيهما كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ»، وكما يُقال في الأثر: «النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل»؛ ومن ثم تبدأ النفس في اجترار ذكريات مؤلمة وعمل حوارات سلبية، كما قد يكون ذلك نتيجة مشكلات لم تحل وشعور بالمظلومية ولم يُنصف خاصة مع الزوج.

2- فقدان الدور وعدم الشعور بالإنجاز:

مهما كانت نوعية العمل، إلا أن الشعور بالإنجاز، وأن الإنسان له دور يقوم به؛ فإن ذلك يسبب له سعادة، ثم لا شيء! ما يفقد الإنسان ثقته بنفسه، وأن لا قيمة لوجوده.

3- اضطراب الوظائف الحيوية:

عدم الانتظام في مواعيد النوم والاستيقاظ وتناول الطعام؛ فعادة ما يَحدث اضطراب في البرنامج اليومي للوظائف الحياتية، نتيجة المساحة الواسعة من الوقت.

الآثار النفسية

كما أن ما تمارسه والدتك هو شكل من أشكال الابتزاز العاطفي، هي تريد أن تشعر أنها ما زالت في بؤرة اهتمامكم، فتستجلب ذلك من خلال شفقتكم عليها أو تقحم نفسها في عالمكم كما تفعل مع أخيك.

الآثار العضوية

كما هو متوقع، تتأثر الصحة البدنية بما تعانيه الصحة النفسية، بالإضافة إلى المشكلات الناتجة من عدم انتظام الأكل والنوم وما تسببه من خلل في التمثيل الغذائي.

التوصيات

الهدف: ملء فراغ الوقت والنفس والعقل بنشاط مفيد، بهدف إعادة الثقة بالنفس.

تتميز هذه المرحلة العمرية للمسنين بعدم الرغبة في قبول أي توجيه أو نصح أو انتقاد؛ لذا يجب المشاركة فيما نود أن نوجههم إليه، ثم الانسحاب تدريجياً:

1- حضور الأنشطة بالمساجد: حفظ، تدبر، تفسير، تحفيظ القرآن، الدعوة.

2- المشاركة في فعاليات النادي الرياضية الثقافية والاجتماعية.

3- التفاعل مع الجيران والمجتمع: مشاركة المناسبات الاجتماعية والدينية والأحزان والتهنئة بالمناسبات السعيدة.

4- المشاركة في الأعمال الخيرية والاجتماعية.

5- المشاركة في النوادي والمسابقات الثقافية.

6- دور فعال على وسائل التواصل الاجتماعي: ذكريات خلال رحلة العمل، نقل الخبرات للأحيال الحديثة في التخصص، التواصل وصلة الرحم مع أقارب ومعارف انقطعت بهم الصلة ومهاجرين وربط الأجيال وشجرة العائلة، وإنشاء صداقات جديدة.

7- القراءة والكتابة ومتابعة البرامج التلفزيونية وقنوات «يوتيوب» المناسبة.

8- متابعة التعلم والتزود المعرفي من خلال الدورات وورش العمل في موضوعات حديثة ومتنوعة.

9- طلب الاستشارة من الوالدين، سواء أكانت شخصية، مثل: «كيف أعوّد ابني على الصدق؟»، «ابنتي ترفض الحجاب، كيف أتصرف؟»، أو استشارة عامة عن الحياة لإشعارهما بقيمة وجودهما.

10- إسناد بعض المهام المناسبة: تدريس الأولاد، سهرة مع «جدو»، حكايات مع «نينا، تيتا، ستو»، طلب إعداد أطباق تراثية.

11- يوم ترفيهي كل أسبوع، مسابقات دينية وثقافية، يشارك فيها الوالدان والأبناء والأحفاد، ويتبادل الأولاد مسؤولية تنظيم ذلك، رحلة يوم كل شهر، رحلة يومين كل 3 أو 4 أشهر، رحلة سنوية أسبوعين.

12- استضافة الوالدين يوماً (يا ليت يكون يوماً وليلة إن أمكن ذلك) كل أسبوع عند أحد الأولاد.

13- تناوب زيارة الوالدين، بحيث يكون في زيارتهما أحد الأولاد أو الحفدة يومياً، بالإضافة إلى التواصل المرئي عبر الهاتف.

14- مهما كان الوالدان في رغد من العيش، فإنهما يسعدان بهدايا أولادهما وأحفادهما.. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، فبرّ الوالدين لا يعني الذوبان في اضطراباتهما.

15- وللابن تحديداً: يناقش زوجته بوضوح ويطمئنها أن ما يحدث مشكلة نفسية لأمه وليس رفضاً لها؛ «هي أمي، وأنت زوجتي شريكة حياتي، ولكل منكما حقه».

16- وللبنات: توزيع الأدوار حتى لا تستنزف واحدة دون الأخريات.

17- اجتماعات دورية للأشقاء (دون الوالدين) لتوحيد الموقف ودعم بعضكم.

توصيات عامة

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (الروم: 54)، وقال أحدهم: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ النَّاسِ خَيرٌ؟ قالَ: «مَن طالَ عُمُرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ»، قالَ: فأيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قال: «مَن طالَ عُمُرُهُ، وَساءَ عَمَلُهُ» (حسن المسند، لشعيب، 20443)، فعلى المسلم أن ينعم ويرضى بالمرحلة العمرية التي قدر الله له أن يحياها، وأن يهيئ نفسه لها، بأن ينمي قدراته ومهاراته بما يمكنه من أن يكون قيمة مضافة وليس عبئاً.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة