...
دقات ناقوس وقرع أجراس (4)

لماذا تتوتر العلاقة بين الحماة وزوجة الابن؟!

د. هيام عباس

10 فبراير 2026

589

إنها علاقة من أكثر العلاقات الإنسانية تعقيدًا؛ تتداخل فيها الغيرة بالعاطفة والخبرة والحب بالخوف والفقد بين أم ربت وضحت، وزوجة تسعى لتكوين حياة مستقلة، وبينهما منطقة رمادية، رويت فيها الحكايات، وأصبحت مجالاً للضحكات، وزخرت بها الدراما فأظهرت الحماة الفضولية والمتسلطة، والطيبة والساخرة، وأسطورة الكيد النسوي والرعب العائلي، أو زوجة الابن المخادعة الماكرة.

هذا المقال يحاول تفكيك الصورة النمطية القاسية، ويبرز سبب المشكلة ومَن المسؤول عنها، وسُبُل التخلص من توترات هذه العلاقة،

الحلم الوردي.. وسيدة القرار!

كل فتاة تسعى لبناء حياة مستقلة في بيت زوجية، تكون هي ملكته، تزرع فيه ما تمنت من مشاعر ولمسات؛ لتجعله جنة حياتها، ولكن سرعان ما تتبخر تلك الأحلام، حين تظهر الملكة الأم التي لا تسمح أن تأخذ غيرها مكانتها لا في بيتها ولا في قلب ابنها، فهي أيضاً حلمت باليوم الذي ترى فيه ابنها وزوجته الوديعة المطيعة، التي تنجب لها البنين والبنات وتسير على نهجها، ثم تنصدم بالواقع، حيث لم تجدها كما توقعت، ويتبدد حلمها في تكوين عائلة كبيرة من الأبناء والأحفاد تكون فيها صاحبة القرار، فهي الأم ومصدر الاحتواء، وصاحبة السلطة في تلك الحياة.

وهنا يبدأ الصراع الصامت أحياناً، والصاخب أحياناً أخرى، والزوج في حيرة وشتات.

وللحكاية وجه آخر

قبل أن ننطلق في تحليل تلك العلاقة، يجب أن نعترف أن هذه ليست الرواية المفردة؛ فهناك في الخلفية بيت هادئ؛ الزوجة ترى أُم زوجها أمها، تحبها وتحنو عليها، وتطلب رضاها، ويكفي أنها ربت لها الرجل الذي أصبح اليوم زوجها.

والحماة تبادلها المشاعر الحانية وتعتبرها ابنة جديدة أضفت على بيتها لمسة مختلفة، تراها تركت بيت أهلها إلى بيت لم تألفه، وسار لها أهل لم تعتد العيش بينهم، فتخفف عنها شعورها بالوحدة والغربة، وترى أن سعادتها من سعادة ابنها، فلا تسمح لأحد أن يشعل قلبها تجاهها، بل تلتمس لها العذر إذا أخطأت، إنها ما زالت صغيرة لم تختبرها الحياة بعد، تسقيها من خبراتها وتعينها على استمرار حياتها في هدوء وسكينة واطمئنان.

إذا كان الأمر بهذه البساطة، إذن ما سبب الصراع على الجانب الآخر؟

جذور الخلاف وصراع الأدوار

على الرغم من تطور أنماط الحياة، واختلاف الصلات الأسرية عمَّا كان في الماضي، فما زالت بعض البيوت تشهد توتر تلك العلاقة، ترى ما السبب؟ هل هو سوء فهم متبادل؟ أم أنه صراع الأدوار؟ أم العادات والتقاليد؟ أم هو اختلاف ثقافات البيوت؟ فالفتاة تربت في دار لها تقاليدها، ثم انتقلت لدار زوجها التي تدار وفق معايير أخرى، وقديماً قالوا: «كل دار ولها مدار».

صراع المِلْكِيَّة العاطفية

الحماة ترى أنها زوجة ابنها، لكن زوجة الابن جاءت فدمرت حلمها، واستولت على قلب ابنها واستأثرت به دونها، فهي التي ربت وضحت ثم جاءت زوجة الابن لتنتزع منها دورها.

والزوجة كانت تطمح في الاستقلال بأسرة لها خصوصيها، وترى أن حماتها تمثل تهديداً لهذه الخصوصية، بل ربما تتصور أن حماتها حطمت أحلامها وجعلت حياتها جحيماً لمجرد أنها لم تعتد بعد على ما صار لابنها من استقلال بأسرته عنها.

وتكون النتيجة هذا الموقف العدائي بين امرأتين تشتركان في رجل واحد، وكل منهما لها في قلبه مكانة خاصة، ولكل منهما درجة مختلفة، ودور مميز.

اختلاف الأجيال

إن الحماة تنتمي إلى جيل تربى على روح الجماعة وقيم الطاعة والولاء للأسرة الكبيرة الممتدة، والأدوار التقليدية للمرأة، في حين تأثرت الزوجة بالحياة العصرية ووضع الحدود واضحة لشراكة متوازنة، لضمان الاستقلالية لأسرتها الوليدة، هذا الاختلاف بين الأجيال قد يتحول إلى صراع غير مبرر أحياناً، حيث لا تستطيع إحداهما فرض رؤيتها على الأخرى.  

العادات والتقاليد وتأثير المجتمعات

قد يؤدي المجتمع دورًا كبيرًا في تزكية نيران الصراع بين جميع الأطراف، حتى قبل أن تبدأ الحياة، فبعض المجتمعات تقوم بتصدير صور سلبية متبادلة عن الزوجة الماكرة، والحماة المتسلطة، وزوج البنت غير الكفء ربيب أمه، هذه التصورات تجعل الجميع يدخلون العلاقة وهم في حالة حذر وتوقع الصدام، والاستعداد بخطط دفاعية مسبقة، بدل العمل على بناء علاقة إنسانية تقوم على التآزر والاحترام، والتكامل والتحام أسرتين لتكون عائلة واحدة كبيرة.

نمط الحياة في بيت العائلة

هو أمر شائع في كثير من المجتمعات، يتطلب تعاملات يومية؛ ما يحول دون وضع حدود عامة وخاصة، مع اختلاف الطباع وطرق التربية التي نشأ عليها طرفا الصراع، فالزوجة تشعر بعدم الاستقلالية وفقدان الخصوصية، والحماة تشعر بأن زوجة الابن دخيلة على البيت، تحاول تغيير قواعده الراسخة، ولو كان في نطاق تغيير أماكن قطع الأثاث أو أواني المطبخ.

غياب دور الرجل

أحياناً ينزع الزوج نفسه من تلك الخلافات؛ حفاظاً على المسافة الآمنة بينهما، خوفاً من أن يميل إلى إحداهما على حساب الأخرى، أو أن يجرح زوجته، أو يجور على أمه، هو في الحقيقة لا يزيد الصراع إلا اشتعالاً، بل ربما لم تكن المشكلة ناجمة منهما بقدر ما هي نتيجة لتخليه عن دوره، والتزامه الصمت وعدم التدخل، فتتحول الخلافات البسيطة إلى أزمة كبيرة مزمنة، يصعب تجاوزها.

وهنا يظهر دور الزوج الواعي بمسؤوليته في إخماد الصراع قبل أن يحدث، حين يُظهر احترامه لأمه وتقديره لدورها، ويصون خصوصية حياته الزوجية، ويحفظ لزوجته حقها، دون صدام يترك في النفس شوائبه.

كيف يمكن تجاوز هذا الصراع؟

يكمن الحل في بناء وعي مشترك يقوم على الاحترام والتواصل الراقي، وترك التصور المسبق المبني على الظن، الذي لا يغني من الحق شيئًا، والوعي باختلاف الأدوار بينهما، لا الصراع عليها، وأنهما طرفا شركة يلزمهما التفاهم لضمان نجاحها واستمرارها.

على الأم أن تدرك أن ابنها أصبح رجلاً له بيته وحياته المستقلة، وأن دعمها له لا يمنحها حق السيطرة على خصوصيته، وعلى الزوجة أن تنزل الأم منزلتها وتعطيها مكانتها، وتدرك أن الاحترام والتقدير لا يتعارض مع استقلالها بأسرتها، ولا يجور على خصوصيتها.

كيف نعيد الطمأنينة للبيوت؟

1- تقديم النية في إقامة بيت تسوده المحبة والسلام، يقوم على البر والتقوى، يرجى به وجه الله، والإخلاص في التعاون على بناء جيل جديد ينعم بدفء الأسرة الكبيرة.

2- لا للتصورات السلبية النمطية، والعبارات الشائعة المغرضة التي تهدف إلى إيغار الصدور وبث الفتنة في النفوس، وهدم البيوت.

3- تجنب نقل الكلام بين الأطراف، وعند الضرورة إلى نقله، يفضل تزيين الكلمات وتجميلها وتحسينها بما يُوقع الخير في النفوس.

4- التماس الأعذار وتقديم المبررات للأفعال والكلمات، وحملها على المحمل الحسن، مع تقديم حسن الظن.

5- قيام الزوج (الابن) بدوره في الحفاظ على الأمن النفسي وتحقيق التوازن العاطفي، وعدم التخلي عن مسؤوليته، بإقامة الحوار الهادف وتنظيم الحدود.

وأخيراً، يجب أن نعترف أن مشكلات هذه العلاقة الإنسانية، قد نشأت كنتيجة طبيعية للتحولات الاجتماعية المعاصرة، فإذا صاحبها الوعي الكافي، والتحلي بالنضج العاطفي، وإدراك أنها علاقة تكامل، فإنها ستتحول إلى داعم إيجابي حقيقي للأسرة الكبيرة، وتحقق لها الانسجام العاطفي والاستقرار والاجتماعي.

اقرأ أيضاُ:

دقات ناقوس وقرع أجراس (1)

دقات ناقوس وقرع أجراس (2)

دقات ناقوس وقرع أجراس (3)
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة