تجارب ناجحة لاستعادة الأسلمة
كثيراً ما
نتداول فكرة «أسلمة المجتمع» كأنها مشروع كبير، ربما يحتاج إلى مؤتمرات أو قوانين
أو قرارات رسمية تلزم الناس بأن يعيشوا تحت نمط حياة محدد، لكن هذه النظرة سرعان
ما تصطدم بواقع الحياة في عديد بلداننا المسلمة، التي تضم مجتمعات متنوعة من
الناحية العرقية أو الثقافية أو حتى الدينية، وبالتالي فإن أفرادها لهم خلفيات
مختلفة وحاجات إنسانية تتجاوز شعارات التنميط باسم «الأسلمة».
فالبناء
الإسلامي الحقيقي لا يبدأ من قوانين جامدة يتم فرضها فوقياً، بل من ذات الإنسان
واختياره للسمو الأخلاقي بدلاً من الانحطاط الشهواني أو المصلحي، ليرفض الرشوة
مهما كان إغراؤها، ويعامل أخاه برحمة ولو كان غير مسلم، ويساعد جاره بلا مقابل،
ويربي أبناءه على أخلاق وقيم الإسلام، ويختار الصدق ولو كان الكذب مربحاً.
هذه التفاصيل
اليومية البسيطة، وغير المرئية غالباً هي نواة أسلمة الفعل؛ أي تحويل القيم إلى
سلوك، والمبادئ إلى حياة، وهي الأسلمة الحقيقية التي نبتغيها لمجتمعاتنا.. أسلمة
الجوهر قبل المظهر.
وبهذا المعنى
القائم على مفهوم أسلمة المجتمع بمسيرة ذاته تبدأ من داخل أفراده قبل أن تعتمد على
قوانين وقرارات فوقية تقرها الدول، ندرك أن التحدي الحقيقي ليس في بناء المساجد
وكثرتها ولا في تنظيم الخطابات فيها، بل في ربط رسالتها بالحياة؛ أي ربط الإيمان
بالحركة الاجتماعية، ولذا، فإن التجارب في هذا الإطار تعني تقديم النموذج الرائد
لمعنى تطبيق الأسلمة.
وقد آثرنا هنا
تقديم نموذجين من إندونيسيا وماليزيا، لاعتبار كونهما مجتمعين مسلمين، دخلهما
الإسلام بقوته الذاتية، دون فتح عسكري؛ ما يبرهن على أن عملية الأسلمة ممكنة
واقعياً دون قرارات فوقية يطمح إليها بعض العاملين للإسلام في تصورات ينقصها عمق
الفهم لحركة الاجتماع في بلداننا.
خلال الفترة بين
عامي 2023 و2025م شهد البلدان المسلمان، إندونيسيا وماليزيا، تجربتين لتحقيق هذا
الفهم من الأسلمة، حيث بدأت مساجد ومؤسسات دينية تتحول إلى فضاءات للإبداع
والإنتاج والتمكين والخدمة المجتمعية، وتحولت إلى طاقة حركة في المجتمع، وليس مجرد
دور عبادة، ما حقق نجاحاً يستحق التنويه إليه.
تجربة إندونيسيا
في خريف العام
الجاري، أعلنت حكومة إندونيسيا عن تعاون مع الهيئة الوطنية للزكاة لتنفيذ برنامج
جديد لتمكين المساجد اقتصادياً واجتماعياً، وبدأ التنفيذ في 3 مقاطعات اختيرت
كمشروعات تجريبية، وحصل كل منها على دعم مادي مبدئي (150 مليون روبية إندونيسية
تقريباً) لتأسيس أنشطة اجتماعية واقتصادية.
وشملت المشروعات
تعاونيات شرعية وتدريباً مهنياً ووحدات أعمال صغيرة تديرها أوقاف المسجد وتخدم
سكان الحي المحلي لكل مسجد، وفق نمط دوري يومي يتسم بالدقة والانضباط.
بعد صلاة الفجر
يعقد المسجد حلقات تثقيفية، ثم تُفتح أبواب التدريب على مشروع حرفي أطلقه المسجد،
يركز على تمكين شباب الحي من مهنة تؤمن لهم دخلاً مستقبلياً، وعلى التوازي تفتح
إدارة المسجد مكتبة صغيرة بجانب المصلى لمذاكرة الطلاب، وتنظم حملات نظافة وجمع
للنفايات في الحي من أوقاف المسجد.
بذلك لم يعد
المسجد قاعة عبادة فقط، بل أصبح مركز نمو يعطي الناس فرصة أن يعيشوا القيم
الإسلامية عملياً؛ الصدق والأمانة والعمل الشريف والتعاون في حياتهم اليومية، وهو
ما عبر عنه وزير الشؤون الدينية الإندونيسي نصر الدين عمر قائلاً، في مؤتمر عقده
عقب إطلاق البرنامج: إن الهدف ليس فقط أن نصلي، بل أن نحيا ديننا في علاقة مع
العمل، ومع الجيران، ومع المجتمع.
غير أن تجربة
البرنامج لم تكن سوى تعميم لتجارب العام السابق، ففي دراسة أجرتها الباحثة
الإندونيسية سهرا وردي، في عام 2024م، بعنوان «تحسين دور المساجد في تمكين
المجتمع.. دراسة حالة مسجد كابال مونزالان في بونتياناك»، تنوه بأن المسجد تحول
إلى مركز اجتماعي متكامل يديره صندوق للزكاة والصدقات، ويطلق برامج تعليم مهني،
ويدعم مشاريع صغيرة، مع دورات للتسويق والتعليم الرقمي بدعم من زكاة وأوقاف
المجتمع المحلي.
وبحسب وردي، فإن
تعميم مثل هذا النموذج يعني التحرر من تقليدية النموذج الشعائري للمسجد عبر مجرد
إقامة صلاة جماعية، إلى إحياء مفهوم الأمة والجماعة المتراصة على قيم ومبادئ الدين
بشكل عملي.
رؤية ماليزية
على الضفة
الأخرى من بحر الملايو، كانت تجربة دائرة التنمية الإسلامية (JAKIM)، قد دخلت
عامها الثاني، إذ أطلقت عام 2023م برنامجاً لتحسين جودة الحياة الإسلامية، لم يكن
التركيز فيه على الشعائر بقدر ما كان على القيم الاجتماعية.
فالتقارير
الرسمية لـ«JAKIM» أوضحت أن 42% من برامجها المجتمعية العام
الماضي ذهبت إلى تهذيب السلوك العام وليس إلى الوعظ التقليدي، وأن البرنامج ركز
تحديداً على تعزيز ثقافة الأمانة في السوق، والنظافة في الأحياء، والانضباط في
المواعيد، باعتبارها جذراً للهوية الإسلامية.
وكان لافتاً هنا
إدراك منظمي البرنامج أن الأسلمة الحقيقية هي تلك الجذور التي نشرت الإسلام في
ماليزيا أصلاً دون أي جهد سلطوي أو فتح عسكري، وهكذا ربطت التجربة بين مفهوم الأسلمة
والحياة اليومية، لا بين الأسلمة والمسجد فقط، وخلال عام 2024م وسع قسم الشؤون
الدينية برئاسة الوزراء الماليزية مبادرة المسجد المنتج التي تحول المسجد إلى مركز
للخدمات الاجتماعية.
تتضمن المبادرة
عيادات صحية مجانية وورش تدريب مهني للشباب ودروس دعم لطلاب الثانوية؛ ما يرسخ
فكرة رئيسة مفادها أن المسجد ليس مجرد محطة وعظ، بل وحدة بناء اجتماعي تدفع الناس
نحو نمط حياة منضبط ونظيف ومتعاون.
لماذا الآن؟
في زمن تتسارع
فيه التغيرات المؤثرة في هوية وثقافة مجتمعاتنا، خاصة العولمة والانفلات في
المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن خطر الانفصال بين الخطاب الديني والحياة
اليومية بات ماثلاً بوضوح في أغلب بلداننا العربية، وتحتاج المجتمعات فيها إلى
نموذج أسلمة مجتمعية معاصرة قائم على البرامج العملية، لا على الخطاب العاطفي أو
الشعارات الفضفاضة.
والنماذج التي
استعرضناها في إندونيسيا وماليزيا تظهر أن نواة المسجد يمكن أن يكون أكثر من مكان
صلاة، بل يمكن أن تكون مركز تمكين وإنتاج وتكافل وخدمة، وأن تعيد للمسلمين معنى
الأمة وتعني بهم، لا كأفراد متفرقين بل كجسد واحد يعمل ويتعاون ويتراحم.
إن الأسلمة ليست عملية تحتاج إلى ترسانة ضخمة لقوانين فوقية في عالمنا العربي بقدر ما تحتاج إلى نماذج ريادة عملية تبدأ من مسجد واحد يتحول إلى مركز مجتمع، ثم تنتشر التجربة إلى مساجد أخرى.
اقرأ
أيضاً: