مشاعر مسلمة هندية عرضت في مزاد علني على الإنترنت  
طباعة

مشاعر مسلمة هندية عرضت في مزاد علني على الإنترنت  

بقلم: عصمت آرا * ترجمة: جمال خطاب الأحد، 30 يناير 2022 10:41
  • عدد المشاهدات 4838

 

مع بزوغ فجر اليوم الأول من العام الجديد في نيودلهي، استيقظت لأجد أنني معروضة في مزاد علني على الإنترنت. وجدت صورة لي مع عبارة: "صفقة بولي باي التي نقدمها لك اليوم."

"بولي" هو مصطلح ازدرائي مخصص للنساء المسلمات، و"باي"، تعني خادمة، وهو مصطلح مهين آخر يستخدمه الجناح اليميني المتطرف في الهند للإشارة للنساء المسلمات.

قفزت من السرير. وأنا التي تواصل كتابة قصصًا تنتقد الحكومة على مدار العامين الماضيين – مثل التعامل مع الهجمات على أفراد من طبقة الـ"داليت"، والجرائم التي ترتكب ضد النساء، وسوء إدارة الدولة لكوفيد19، وجرائم الكراهية ضد المسلمين - لم يكن هذا الصيد غريبًا بالنسبة لي. فأنا في الواقع، واحدة من أكثر 20 صحفية تعرضن لسوء المعاملة في الهند. لكن تصل الدرجة إلى أن يجري بيعي بالمزاد العلني!؟

كانت هناك ما يقرب من 100 امرأة أخرى في قائمة المزاد – من أبرزهن، مذيعات وسياسيات ومؤلفات وممثلات وطيارات. كلهن مثلي كلهم ​​مسلمات. بالنسبة للبعض، كان هذا هو ظهورهن الثاني خلال ستة أشهر في واحدة من هذه المبيعات الزائفة، المصممة للسخرية والإذلال. كثيرات منهن انتقدن الحزب الحاكم، حزب بهاراتيا جاناتا (BJP)، بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي.

بالنسبة لمبتكري هذا "المزاد"، لم تكن أي واحدة منا، نحن اللائي عرضن في المزاد، قد صنعت شيئا مختلفا في حياتها. بالنسبة لعائلتي، لست أنا الصحفية الأول (فبفضل والدتي، التي كافحت لجلبني إلى المدينة من أجل تعليمي)، أنا أيضًا أول امرأة تغامر بالخروج بمفردها في الأماكن العامة، وتأتي وتذهب بمفردها، اعتمادًا على احتياجات عملي. لكننا بالنسبة لصناع المزاد، كنا مجرد نساء مسلمات بحاجة إلى نشعر بالخزي بغرض اسكاتنا.

كنت مليئة بالغضب وأردت أن أفعل شيئًا حيال ذلك.

تفاقم اضطهاد المسلمين في الهند

 تشهد معاملة المسلمين في الهند زيادة ملحوظة في الاضطهاد منذ أن تولى حزب بهاراتيا جاناتا، الملتزم والمتبني لأجندة هندوسية قومية، السلطة في عام 2014. ففي جميع أنحاء الهند، يُرفض منح سكن للمسلمين، وهجر الفنانون المسلمون وظائفهم بسبب تهديدات الجماعات الهندوسية المتشددة لهم.

في ديسمبر الماضي، عُقد اجتماع ديني لمدة ثلاثة أيام في ولاية أوتارانتشال، دعا خلاله العديد من الزعماء الهندوس المتعصبين علنًا إلى الإبادة الجماعية للأقليات. وقد حث ياتي نارسينجاناند، منظم الحدث، الهندوس على "حمل السلاح" من أجل "الحرب ضد المسلمين".

في نفس الوقت تقريبًا، تم عقد تجمع من قبل منظمة تُعرف باسم هندو يوفا فاهيني، أسسها يوجي أديتياناث، وهو راهب وسياسي يدعو علانية إلى كراهية المسلمين. أقسم المئات في هذا الحدث اليمين لجعل الهند أمة هندوسية. ورددوا هتاف "سنقاتل ونموت إذا لزم الأمر وسنقتل أيضا".

في يناير من العام الماضي، رفعت الشرطة بقيادة يوجي أديتياناث، رئيس وزراء ولاية أوتار براديش، أكبر ولاية هندية من حيث عدد السكان، وعضو في حزب بهاراتيا جاناتا، تقرير المعلومات الأول (FIR) ضدي بسبب تغطيتي لاحتجاجات المزارعين. ((تقرير المعلومات الأول هو مستند صادر عن سلطات إنفاذ القانون الهندية للإقرار بشكوى جنائية.)) زعموا أنني قد نشرت الخوف والقلق في الولاية وأنني كنت تهديدًا لـ "التكامل الوطني" للهند. زعموا أنني نشرت الخوف والقلق في الولاية وأنني كنت تهديدًا لـ "التكامل القومي" للهند. كان عمري 22 عامًا فقط ولم أكن أمضيت ستة أشهر في وظيفتي الأولى.

ولحسن الحظ، منحتني المحكمة الحماية من الاعتقال في القضية، لكنني لست الصحفي الوحيد الذي يتعرض للمضايقة. تم رفع قضايا جنائية ملفقة ضد صحفيين بسبب تقارير إخبارية غير مؤيدة للحزب الحاكم. وواجه المحررون والكتاب في المؤسسة الإعلامية التي أعمل بها، (The Wire)، تهمًا تتراوح بين التشهير و "الترويج للعداء" و "النية في إثارة الشغب" ونشر "تغريدات استفزازية".

والآن، ومع بداية العام الجديد، تعرضت للهجوم مرة أخرى. لكن التغريدة التي نشرتها في يوم رأس السنة الجديدة حول المزاد انتشرت على نطاق واسع وبدأ عدد قليل من المشرعين في الحديث عنها. غرد وزير تكنولوجيا المعلومات الهندي على تويتر بأن مزود استضافة الإنترنت، (GitHub)، قد ألغى حسابًا يخص أحد المزادات المزعومة. وقد ساعدني هذا في التغلب على حذري بشأن الاقتراب من الشرطة، التي لم تفعل شيئًا في المرة الأخيرة التي حدث فيها ذلك. ولدهشتي، تمكنت من تقديم تقرير المعلومات الأول.

ثم بدأت وسائل الإعلام الرئيسية في الاهتمام. كانت كل قناة تلفزيونية رئيسية في البلاد تغطي القصة وتريد التحدث معي. بالكاد كان لدي وقت للراحة أو الأكل بشكل صحيح، كنت ممزقة بين الإرهاق والحفاظ على الزخم الذي حظيت به هذه القضية. وفجأة، أصبحت القصة - على الجانب الآخر من الكاميرا، أو مع شخص آخر يكتب ملاحظات أثناء حديثي. ولأول مرة، أدركت أهمية إضافة بضع كلمات من العزاء قبل الخوض في صدم الناس كصحفي - تأثير عبارات بسيطة ، "آسف لما حدث".

بعد أسبوع بالضبط من الحادث، وبإصرار من المحرر الخاص بي في (The Wire)، ذهبت لرؤية طبيب نفسي وصف لي دواءً للنوم ومضاد للقلق. بعد الموعد، عدت إلى المنزل، وجسدي منهكة وأعاني من مرض السل في العقدة الليمفاوية الذي اكتشفته قبل بضعة أشهر. وبعد ذلك، ساءت الأمور أكثر، عندما تأكدت إصابتي بالكورونا. وأنا أكتب هذا الآن من سريري.

بدأ المحاسبة على الجرائم ضد مسلمي الهند

بعد يوم من تسجيل بلاغي للشرطة، تلقيت رسالة على تويتر من فتاة صغيرة ظهر اسمها في قائمة المزاد. كتبت أنها كانت قد تجمدت بسبب الصدمة بعد رؤيتها للمزاد، لكن معرفة أن الآخرين كانوا يتحدثون عنها علانية يمنحها قوة الآن.

بدأت الشرطة في إجراء اعتقالات. بعد كل واحدة، كنت أتلقي مكالمات من العديد من زملائي الضحايا. "لقد ألقوا القبض على شخص ما، يا عصمت" و "لقد فعلنا ذلك". لكنني شعرت بالصدمة والحزن عندما علمت بأعمار المشتبه بهم. لا يزيد عمر أي منهن عن 28 عاما. واحدة منهن فتاة يتيمة تبلغ من العمر 18 عاما. هي وأخريات متهمات بإهانة النساء من ديانة أخرى علانية - نساء لم يلتقوا بهن أبدا في حياتهن - وها أنا أكتب عنهن، ينتمين إلى نفس الجيل. هل هناك ما هو أسوأ من هذا للتعبير عن العفن الضارب في المجتمع الهندي اليوم؟

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن السياسيين الذين يشعلون نيران الكراهية في مجتمعنا يواصلون السير أحرارًا.

بعد كل شيء، ليس هناك معلومات ضد عضو حزب بهاراتيا جاناتا البارز كابيل ميشرا، الذي أعطى شرطة دلهي، في فبراير 2020، إنذارًا نهائيًا لتطهير الشوارع من المحتجين قبل أن يتولى زمام الأمور بنفسه. كان المتظاهرون ينددون بقانون تعديل الجنسية، وهو التشريع الذي سهل منع المهاجرين المسلمين من الحصول على الجنسية، عندما اندلعت أعمال الشغب. كان هذا هو أسوأ عنف ديني في الهند منذ سنوات، حيث هاجمت حشود هندوسية المسلمين، وتم الإبلاغ عن 53 حالة وفاة، معظمهم من المسلمين.

وفي مقابلة معي في عام 2021، نفى ميشرا أن تكون دعوته "أطلقوا النار على الخونة" سببًا للعنف. وميشرا لا يزال طليقا لكن العديد من المتظاهرين يقبعون في السجن بتهمة التآمر والتحريض على أعمال شغب.

أحدهم خالد الصيفي، وهو ناشط حاول التوسط بين الطائفتين الهندوسية والمسلمة قبل اندلاع أعمال الشغب. وبعد أيام قليلة من قضية بولي باي، أرسلت نرجس، زوجة الصيفي، رسالة منه إليّ بخصوص علاجي.

وجاء في رسالته "أختي" أشعر بالعجز الشديد داخل السجن لأنني لا أستطيع فعل أي شيء لحمايتك. لو كنت في الخارج، لكنت خرجت إلى الشارع للاحتجاج بكل ما أوتيت من قوة من أجلك".

أنا مصدومة، بسبب وجود هذا الرجل في السجن منذ عامين، في وسط الجائحة. ومع ذلك فهو يشعر بالعجز لأنه لم يستطع الاحتجاج لدعمي. كان الوقت متأخرًا، حوالي منتصف الليل - ومع ذلك كان على الاتصال بزوجته.

ردت نرجس على الفور. انحبست الكلمات من فمي وفي فمها. لم يقل أي منا أي شيء. شعرنا بإحساس مشترك بالحزن على حالة بلدنا، الهند. ثم بدأت بالبكاء المتواصل. وردا على ذلك، بكت هي أيضا، وبصوت عال. ربما كانت تكبت دموعها منذ فترة أطول مني.

-------------------------

المصدر: مجلة تايم

* صحفية من نيودلهي. تكتب عن قضايا الطائفية والسياسة والتعليم والمهمشين، معظمها عن المناطق الريفية في الهند.