مجلة المجتمع - التلاوة القلبية للقرآن الكريم

التلاوة القلبية للقرآن الكريم

د. أحمد عيسى – لندن: الأحد، 23 مايو 2021 05:16

 

كما أنه لا يصلح لمسّ جلد المصحف كل يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ولا لنيل معانيه كل قلب

كلما كانت الشهوات أشد تراكما كانت معاني الكلام أشد احتجابا وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلى المعنى فيه

أول درجات القراءة أن يقدر العبد كأنه يقرأه على الله عز وجل واقفاً بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه

على العبد إذا تلا آيات الوعد والمدح للصالحين فلا يشهد لنفسه بذلك بل يشهد للموقنين والصديقين ويتشوف إلى أن يلحقه الله بهم

 

 

كلٌّ منا خرج من شهر رمضان بتجربة شعورية خاصة في قراءته القرآن الكريم؛ فمنا من قرأه بلسانه ومنا من تلاه بقلبه، منا من قرأه بسرعة بغية الختمة، ومنا من تلاه بتؤدة بهدف التدبر، منا من سمع القرآن بأذنه، ومنا من أنصت بقلبه.. يا ترى ما الذي صنع هذا الفارق؟ 

للإجابة، نذكر بتصرف ما عدّه الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" لتحقيق التلاوة القلبية:

التعظيم للمتكلم

فالقارئ عند البداية بالتلاوة ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم وصفاته وجلاله وأفعاله، فيحدث تعظيم كلامه، ويعلم أن ما يقرؤه ليس كلام البشر. والله يقول (لا يمسه إلا المطهرون)، فكما أن ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس، إلا إذا كان متطهرا، فباطن ذاك أيضا محجوب عن باطن القلب، إلا إذا كان متطهرا عن كل رجس، ومستنيرا بنور التعظيم والتوقير. وكما أنه لا يصلح لمسّ جلد المصحف كل يد، فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان، ولا لنيل معانيه كل قلب.

حضور القلب

وترك حديث النفس. جاء في تفسير قوله تعالى {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} أي بجد واجتهاد. وأخذه بالجد أن يكون متجردا له عند قراءته، منصرف الهمة إليه عن غيره. وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به، ويستأنس، ولا يغفل عنه؛ ففي القرآن ما يستأنس به القلب، إن كان التالي أهلا له؛ فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره، وهو في متنزه.

التدبر

الفارق بين التأمل والتفكر والتدبر: فالتأمل مأخوذ من مادة (أم ل) التي تدل على التثبت والانتظار. والتفكر مأخوذ من مادة (ف ك ر) التي تدل على تردد القلب في الشيء. أما التدبر فمن مادة (د ب ر) التي يقصد بها النظر في عواقب الأمور. وتدبّر الكلام: النظر في أوله وآخره، ثم إعادة النظر مرة بعد مرة؛ ولهذا جاء على وزن التفعّل كالتجرّع والتبيّن.

فالتأمل يكون بالبصر مع استمرار، وتأن يؤدي إلى استخلاص العبرة، والتفكر جولان الفكر في الأمر الذي تكون له صورة عقلية عن طريق الدليل. أما التدبر فإنه يعني النظر العقلي إلى عواقب الأمور.

وفي الحديث.. فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فرآه يبكي فقال: يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا، لقد نزَلَتْ علَيَّ اللَّيلةَ آيةٌ، ويلٌ لِمَن قرَأها ولم يتفكَّرْ فيها (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) صحيح ابن حبان.

وإذا لم يتمكن من التدبر، إلا بترديد، فليردد، إلا أن يكون خلف إمام فإنه لو بقي في تدبر آية وقد اشتغل الإمام بآية أخرى كان مسيئا. عن أبي ذر قال قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح يرددها والآية {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} صحيح ابن ماجة. وقال بعض العارفين: لي في كل جمعة ختمة، وفي كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة. ولي ختمه منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد، وذلك بحسب درجات تدبره وتفتيشه.

التفهم

وصول المعنى لفهم التالي بواسطة اللفظ. والمراد أن يستوضح ويستكشف عن معنى كل آية يتلوها ما يليق بها. إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات الله عز وجل، وذكر أفعاله وذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام، وذكر أحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار. والتفسير بيان وشرح للمعنى، بينما التدبر اتعاظ بالمعنى واعتبار به وتذكر.

التخلي عن موانع الفهم

أولها أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، ليصرفهم ذلك عن فهم معاني كلام الله.

ثانيها أن يكون مصرا على ذنب أو متصفا بكبر أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع؛ فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه وهو كالخبث على المرآة فيمنع جلاء الحق من أن يتجلى فيه وهو أعظم حجاب للقلب وبه حجب الأكثرون، وكلما كانت الشهوات أشد تراكما كانت معاني الكلام أشد احتجابا، وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلى المعنى فيه. فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل المرآة.

وقد شرط الله عز وجل الإنابة في الفهم والتذكير فقال {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب}، وقال {إنما يتذكر أولو الألباب}؛ فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة، ليس من ذوي الألباب، ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب.

التخصيص

وهو أن يقدِّر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن؛ فإن سمع أمرا أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور. وإن سمع وعدا أو وعيدا فمثل ذلك. وإن سمع قصص الأولين والأنبياء علم أنه المقصود ليعتبر به، فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، ولذلك قال تعالى {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} هود 120. فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما يقصه عليه من أحوال الأنبياء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله.

التأثر

وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات؛ فيكون له بحسب كل فهم حال وشعور، يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره، وبذلك يخرجه عن أن يكون حاكيا في كلامه؛ فإذا قال {ولنصبرن على ما آذيتمونا} فليكن حاله الصبر والعزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة.

فتأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة؛ فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت، وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح. وعند ذكر الله وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعا لجلاله واستشعارا لعظمته. وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله سبحانه، كذكرهم لله عز وجل ولدا وصاحبة، يغض صوته وينكسر في باطنه حياء من قبح مقالتهم. وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقا إليها. وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفا منها.

عن ابن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ عليّ القرآن، فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل. قال إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا). قال حسبك الآن. فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. (متفق عليه).

الترقي

درجات القراءة ثلاث:

أدناها: أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على الله عز وجل واقفا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال والتملق والتضرع والابتهال.

الثانية: أن يشهد بقلبه كأن الله عز وجل يراه ويخاطبه بألطافه ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم.

الثالثة: أن يرى في الكلام المتكلم، وفي الكلمات الصفات؛ فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث إنه منعم عليه. بل يكون مقصور الهم على المتكلم، موقوف الفكر عليه.

قال بعض الحكماء: كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة، حتى تلوته كأني أسمعه من رسول الله يتلوه على أصحابه. ثم رفعت إلى مقام فوقه كنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم جاء الله بمنزلة أخرى، فكأني أسمعه من المتكلم به، عندها وجدت له لذة ونعيما لا أصبر عنه.

التبري

فيتبرأ القارئ من حوله وقوته، والالتفات إلى نفسه بعين الرضا والتزكية. فإذا تلا آيات الوعد والمدح للصالحين، فلا يشهد لنفسه عند ذلك، بل يشهد للموقنين والصديقين، ويتشوف إلى أن يلحقه الله بهم. وإذا تلا آيات ذم العصاة والمقصرين، شهد على نفسه هناك، وقدر أنه المخاطب خوفا وإشفاقا.

وبعد.. فيقول الله في أوصاف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} الفرقان 73، ذكر السعدي: أي الآيات التي أمرهم باستماعها والاهتداء بها، لم يقابلوها بالإعراض عنها، والصمم عن سماعها، وصرف النظر والقلوب عنها، كما يفعله من لم يؤمن بها ولم يصدق. وإنما يقابلونها بالقبول والافتقار إليها والانقياد والتسليم لها، وتجد عندهم آذانا سامعة وقلوبا واعية، فيزداد بها إيمانهم، ويتم بها يقينهم، وتحدث لهم نشاطا، ويفرحون بها سرورا واغتباطا.

مجتمع ميديا

  • الأمن التونسي يتدخل لمنع مواجهات بين مؤيدي ومعارضي تجميد البرلمان

ملفات تفاعلية

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153