أهداف التربية العقدية ومقوماتها ومرجعيتها

خطة تربوية للدرس الإيماني للنشء والشباب (2)
أهداف التربية العقدية ومقوماتها ومرجعيتها

الأربعاء، 23 فبراير 2022 06:19

 

 نستكمل في هذه الحلقة ما يتعلق بجوانب الخطة التربوية للدرس الإيماني للنشء والشباب في ضوء تحديات القرن الحادي والعشرين، ونتناول هنا أهداف التربية العقدية ومقوماتها ومرجعيتها والمبادئ الأساسية والجانب المعرفي المتضمن فيها، ومنهجية الاستدلال.

 

أهداف التربية العقدية

إن أهداف التربية العقائدية لابد أن تصاغ في الأسرة والمؤسسات التربوية في ضوء تحقيق تحولات للتربية التقليدية القائمة وهي:

  1. التحول من الوراثة إلى الاختيار، عبر العقل والدليل والبرهان.
  2. التحول من التلقين إلى الاقتناع عبر المناقشة والتساؤل والرد والجدل المنهجي.
  3. التحول من الوعظ إلى المعرفة، عبر شمولية الخطاب التربوي للحاظ التفكير العلمي والجانب المعرفي.
  4. التحول من الاستظهار إلى التفقه والتدبر، عبر خارطة تدبرية لآيات القرآن التي تتوجه إلى الطبيعة والنفس.

مقومات التربية العقائدية

ترتكز التربية العقائدية على أربعة أضلاع متساوية في مقومات بنائها وهي:

  1. الفطرة أو المنهج الفطري.
  2. النظر والتأمل العقلي وقانون السببية.
  3. الحس والمشاهدة والتجربة.
  4. العلم وتطوره واكتشافاته.

مرجعية التربية العقائدية ومنهجها

تستمد التربية العقائدية مضامينها الرئيسة في التناول التربوي والثقافي مما يلي:

  1. القرآن.
  2. السنة النبوية.
  3. الكون.
  4. المناهج المقارنة (بين الإلحاد والأديان والإسلام) في ضوء العقل والعلم.

المبادئ الأساسية

تعتمد التربية العقائدية على مبادئ ثلاثة لتقويض النظرة التقليدية القائمة والدفع بالتجديد التربوي العقدي، وهذه المبادئ هي:

  1. لا تقليد في الاعتقاد.
  2. الشك ليس كفرًا بل رحلة إلى اليقين.
  3. الحرية هي أساس الإيمان.

المعرفة

أما الجانب المعرفي في التربية العقائدية الجديدة فيتضمن:

  1. تيسير الكتابات في الرد على الشبهات وإتاحتها في مكتبات الناشئة والمدارس والجامعات.
  2. بناء جسور التواصل الفكري بين الشباب والعلماء والمفكرين.
  3. ملاحظة التطور المعرفي في مجال الأفكار خصوصًا التي تتعلق أو تؤثر في الرؤية الدينية والشعور الديني للإنسان.
  4. تحليل / ممارسة الآثار الاجتماعية للإيمان في الجانب الأخلاقي والاجتماعي بصفة عامة.
  5. القراءة الواعية للوسائل المعاصرة للإلحاد والرد عليها من منطلق وعي معدني نقدي لا وعظي خطابي تقليدي.
  6. تقاطع دروس التربية الدينية في المؤسسات التعليمية مع دروس العلوم الطبيعية وعدم عزلها عن باقي الحصص الدراسية.
  7. تيسير الكتابات الإسلامية الرائدة التي تناولت الإسلام بشكل تحليلي وعلاقته بالحياة، والقوانين والعلم ومنها: على عزت بيجوفيتش "الإسلام بين الشرق والغرب". وحيد الدين خان "الإسلام يتحدى"، ومحمد إقبال "تجديد الفكر الديني"، ومراد هو فمان "الإسلام كبديل"، ومالك بن نبي "الظاهرة القرآنية". وتبسيط الأفكار الواردة فيها بشكل يلائم الناشئة وطلاب الجامعات والشباب المسلم بصفة عامة.
  8. تجميع وتبسيط آراء الغربيين [المنصفين] في القرآن والإسلام.

الاستدلالات

    في هذا المحور نقف على خمسة أدلّة متعاضدة في الدرس العقدي هي: الدليل العقلي، والدليل النفسي، والدليل الفلسفي، الدليل التاريخي، والدليل النقلي[1]:

  1. الدّليلُ العقلي: مبدئية هذا الدليلِ تقوم على مقولة هي: "إنّ الإيمان نصفان: نصف عقل، ونصف نقل"[2]. يطرح الغزالي هذا الدليلَ في صورة بحثٍ في الكون، وفي حياة الإنسان بصفة عامة، وحركة الحياة، وتداخل منظومةِ الكون والأحياء، ومنها: مناقشة جملة القوانين الدقيقة التي تحكم حركةَ الكون، وما فيه من أحياءٍ وجماد، فإنّ العقل لا يمكن أن يحكم باستحالة وجودها هكذا جزافًا[3]. ومِن ذلك مكان الشّمس بالنسبة إلى الأرض والتحديد الدقيق فيه بما يضمن الحياة على الأرض، وكذلك دورات التبادل العضوي والغذائي بين الإنسان وباقي الكائنات الحية.

    إنّ القول بالصدفة في خلقِ العالم هو ضربٌ من الخيال الذي تكذّبه كلّ وقائع التاريخ والعلم والحياة والإنسان.. "إنّ إحالةَ الأمور على المصادفات ضرب من الدجل العلمي، يرفضه أولو الألباب.. لنفرضَ أنّ الآلة الكاتبة في أحدِ الدواوين وجدت بجوارها ورقةٌ مكتوب عليها اسم (عمر)، ماذا يعني هذا...؟ أحد أمرين: أقربهما إلى البداهة: هو أنّ خبيرًا بالكتابة طبع الاسم على الورقة. والأمرُ الثاني: أنّ حروف الاسم تجمّعت وترتبت هكذا وتلاقت هكذا جزافًا. إنّ الفرض الأخير معناه من النّاحية العلمية ما يأتي: الابتداء بكتابة (العين) أو سقوط حرفها وحده على الورقة بدون وعي يجوز بنسبة 1: 28 (عددُ حروف الهجاء العربية)... وهكذا، وليس أغبى فكرًا ممن يترك الفرضَ الوحيد المعقول ويؤثِرُ عليه فرضًا آخر لا يتصوّر وقوعُه إلّا مرّة بين اثنتين وعشرين ألف مرّة... والصدفُ حين تخطّ على القرطاس كلمة (عمر) أقرب إلى الذهن من تصوّر الصدف هذه تخلق قطرةَ ماء في المحيطات الغامرة، أو حبّة رمل في الصحاري الشاسعة... أنّ العلم بريء من مزاعم الإلحاد، ومضادّ لما يرسل من أحكام بلهاء[4].

      إنّه من المقطوع به عقلًا أنّ العدم لا يتحوّل إلى وجود، ولا يخلق وجودًا. فإذا قيل إنّ العالم مُفتقر في إحداثه إلى سبب، وإن الأحياء مُحتاجة في وجودها إلى خالق؛ قيل بل يجوز أن يتمّ ذلك من تِلْقاء نفسه. وإذا كانت حركةُ المرور في القاهرة مثلًا تتطلّب فرقةً من الجنود لتنظيمها وإلّا سرتِ الفوضى في أرجائها؛ فهل يُستغرب القولُ بقدرةٍ منظّمة مشرفة على الألوف المؤلفة من الكواكب السيّارة في الفضاء؟ وهل يعتبر القول بأنّ المصادفات المخصصة هي التي تتولى هذا التنظيم.. هل يعتبر إلّا لغوًا ومجونًا؟ [5].

        إنّ مئاتِ الآيات في سورٍ كثيرة طوالَ العهد المكي دارتْ في إثبات الرسالة على محور واحد، إيقاظ العقل وتعريفه بربّه، واعتبار صاحب هذا الوحي إمامَ السائرين إلى الله المعتصمين بحبله، وتجاوزت مقترحات الكفار أنْ يأتوا بأية مادية معجزة.

  1. الدّليل النفسي:

        يقوم هذا الدليلُ على التأمّل الذاتي لحقيقة وجودِ الخالق لهذا الكون، ويعتمد على الإحساس النّفسي الذاتي، ورغمَ فرديّة هذا الدّليل إلّا أنّه أقربُ إلى المشتركِ الإنساني لتوافقه مع الفطرة.

        إنّ وجودَ الله تعالى وقدرتَه وعلمه وسائرَ صفاته يشهد له- بالضرورة- كلّ ما نشاهده وندركُه بالحواسّ الظّاهرة والباطنة. كلّ ما نشاهدُه من حجر ومدرٍ ونبات وشجر وحيوان، وسماء وأرض، وكوكب، وبرّ وبحر، ونار وهواء، وجوهر وعرض؛ بل أوّل شاهدٍ عليه أنفسنا نحن وأجسامنا وأوصافنا، وتقلب أحوالنا وتغيّر قلوبنا، وجميع أطوارنا في حركتنا وسكناتنا. وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا، ثمّ محسوساتنا بالحواسّ الخمس، ثمّ مدركاتنا بالعقل والبصيرة؛ إذْ كلّ ذرة فينا نحنُ البشر ينادي بلسانِ حالها أنّه ليس وجودها بنفسها، ولا حركتها بذاتها، وأنّها تحتاج إلى موجِدٍ ومحرّك لها[6].

         إذا ما اتّجه الفكرُ في السماوات حيث انتشرتِ النجوم في الليل، وإذا ما كلّ البصر فيما لا نهاية له في الآفاق المظلمة، وإذا ما خشعتِ النّفس خشعتها من رهبةِ السّكون الشامل؛ فإنّك تشرف بوجهِك الكريم من خلالِ هذه الآفاق، وتسمع صوتك في ذلك السكون، وتمسّ بعظمتك النفسَ الخاشعة المطمئنّة.. حينئذ تبدو الآفاقُ المظلمة كأنها باسمةٌ مشرقة، ويتحوّل السكون إلى نبرات مطربة تنبعثُ من كلّ صوب، وحينئذ تتغنّى النفسُ الخاشعة لتقول: أنتَ أنتَ الله[7].

  1. الدّليلُ الفلسفي:

      إنّ الفلاسفة- أوْ كثير منهم- توصّلوا إلى معرفة الله، بما هو مركوزٌ لديهم في الفطرة، إلّا أنّ هذه المعرفةَ اعتراها بعضُ اللّبس "فالفلسفة الإلهية حافّة بالكثير من هذه الأفكار، كما أنّ علماء الكون في العصر الأخير قد تكلّموا عن الله في حدودِ ما هداهم إليه البحثُ المجرّد في آفاق الطّبيعة وأسرارها وقوانينها. والفلاسفة القدامى أسموا الله: الصانع، والعقل الأول، وواجب الوجود، وسبب الأسباب... وعلّةُ هذا اللبس أنّ هداية السماء لم تصحبِ العقل في سيره. ومن ثمّ أقرّ العقلُ بالمبدأ الواجب، وأخطأ في التفاصيل المتعلقة به.

  1. الدّليلُ التاريخي:

   باستقراءِ التّاريخ وأحداثه، ولا نجدُ دعوى يؤبَه لها من أحدٍ يزعم أنه إلهٌ معَ الله. والذين فهمَ ذلك عنهم إمّا متهمون أبرياء كبعضِ الرسل والملائكة، وإمّا مخلوقات لا تحسّ ولا تعقل كالأحجار والأبقار، وإمّا حكّام سفلة كفراعنةِ مصر وأشباههم.

  1. الدّليل النّقلي:

  إنّ المرسلين قاطبة أكّدوا واحدًا بعد الآخر أنّهم جاءوا من عندِ الله ربّ العالمين )وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ( [الأنبياء: 25].

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر محمد الغزالي: عقيدة المسلم.

[2] محمد الغزالي: الطريق من هنا

[3] محمد الغزالي: عقيدة المسلم.

[4] المرجع السابق.

[5] المرجع السابق.

[6] انظر: الغزالي: عقيدة المسلم.

[7] المرجع السابق.

آخر تعديل على الأربعاء, 23 فبراير 2022 18:48

مجتمع ميديا

  • برنامج حوار"المجتمع" يطل عليكم بحلة جديدة كل خميس في الثامنة مساءً

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153