تونس: حلَّ المجلس الأعلى للقضاء نقطة تحوُّلٍ رئيسية في الأزمة السياسية الجارية

تونس: حلَّ المجلس الأعلى للقضاء نقطة تحوُّلٍ رئيسية في الأزمة السياسية الجارية

وكالات الجمعة، 11 فبراير 2022 11:13

مثلت الخطوة الأخيرة للرئيس التونسي قيس سعيد بحلِّ المجلس الأعلى للقضاء وترؤسه هو لهذا المنصب تطوراً كبيراً وهاماً وصبت مزيداً من النار على التوتر السياسي الحاصل في البلاد منذ يوليو/تموز 2021.

وهدد سعيّد، الأحد 6 فبراير/شباط، بأن المجلس الأعلى للقضاء سوف يُحَلُّ في مرسومٍ قادم، مُتَّهِماً المجلس، الذي يُنظر إليه على أنه "خط الدفاع الأخير ضد حكمه الفردي"، بالتحيُّز والفساد.

وقد أدان القضاة وقادة المعارضة خطوته على نطاق واسع. ووصف رئيس المجلس الأعلى للقضاء، يوسف بوزاخر، ذلك بأنه غير قانوني، وتعهَّدَ بأن "القضاة لن يصمتوا" وسيواصلون أداء مهامهم.

يلقي موقع Middle East Eye البريطاني نظرةً على السبب الذي يجعل حلَّ المجلس الأعلى للقضاء يمثِّل نقطة تحوُّلٍ رئيسية في الأزمة السياسية الجارية وما يعنيه ذلك بالنسبة لمستقبل تونس الديمقراطي.

ما هو مجلس القضاء الأعلى للقضاء؟

المجلس الأعلى للقضاء هو هيئةٌ دستورية مستقلة تهدف إلى دعم استقلال القضاء في البلاد.

تم تجديده بعد ثورة 2011، التي أطاحت بالحكم الاستبدادي الذي استمرَّ 23 عاماً للرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي.

كجزء من دستور ما بعد الثورة لعام 2014، أُعيدَ تشكيل المجلس الأعلى للقضاء لإزالة أي تأثير فعلي للسلطة التنفيذية، أي وزارة العدل والرئاسة، اللتين كانتا تسيطران عملياً على المجلس في الماضي.

أُنشِئ في نهاية المطاف في العام 2016 بعد انتخاب أعضاءٍ مستقلين في المجلس. والأعضاء الخمسة والأربعون مُكلَّفون بضمان استقلال القضاة.

تونس قيس سعيد صندوق النقد الدوزلي

ويمثِّل المجلس السلطة القضائية في التعامل مع السلطتين التنفيذية والتشريعية. وتتمثَّل إحدى أهم سلطات المجلس في اختيار 4 من 12 قاضياً في المحكمة الدستورية، وهي هيئة تعادل المحكمة العليا. أما الأعضاء الثمانية الآخرون فيختارهم البرلمان والرئيس، ويعيِّن كلٌّ منهما 4 قضاة.

لم تُنشأ المحكمة الدستورية قط في تونس بسبب سنوات من الخلاف السياسي حول المرشحين في البرلمان.

ومع ذلك، لا يزال المجلس الأعلى للقضاء يُعتَبَر "أحد الإنجازات الرئيسية التي حققتها تونس في فترة ما بعد الثورة على الطريق نحو بناء المؤسسات الديمقراطية"، كما قالت مونيكا ماركس، الأستاذة والمُحلِّلة في تونس، لموقع Middle East Eye.

وقالت مونيكا، المحاضرة في جامعة نيويورك في أبوظبي: "لقد كان ذلك نتيجة سنوات مضنية من العمل الجاد بين نواب تونس المنتخبين، سواء في الجمعية التأسيسية أو في البرلمان بعد ثورة 2011".

وأضافت: "لقد أُنشِئ لمحاولة تصحيح تاريخ تونس الطويل السيئ من السيطرة الديكتاتورية على القضاء".

لماذا حلَّ سعيّد المجلس الأعلى للقضاء؟

جاء قرار حلِّ المجلس الأعلى للقضاء بعد سبعة أشهر من تعليق سعيّد البرلمان وإقالة رئيس الوزراء وتوليه سلطاتٍ تنفيذية واسعة. استند سعيّد إلى المادة 80 من الدستور كمبرر قانوني لإجراءاته الخاصة بالاستيلاء على السلطة، والتي اعتبرتها جماعات المعارضة انقلاباً، والتي كانت موضع نزاعٍ على نطاقٍ واسع.

وأعلن سعيّد نفسه رئيس الادعاء، وهي خطوة رفضها المجلس الأعلى للقضاء ومنذ ذلك الحين، أثارت الهيئة القانونية حفيظة سعيّد الذي كرَّر انتقاده للقضاء، داعياً إلى "تطهيره" في أكتوبر/تشرين الأول.

وقال بن عربية، مدير لجنة الحقوقيين الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تصريح لموقع Middle East Eye: "ما لديك هو أساساً أن الرئيس يتَّخذ قراراتٍ أحادية الجانب غير دستورية وغير قانونية".

ليس من الواضح ما هو الأساس القانوني الذي اعتمد عليه سعيّد في حلِّ المجلس الأعلى للقضاء لأنه لم يصدر بعد المرسوم الذي من شأنه حلّه رسمياً.

وقال بن عربية إنه "لا يوجد أساس دستوري أو قانوني على الإطلاق" لتحركه. لكنه أضاف: "لأن الجيش والشرطة ينفِّذان قراراته، فإنهما لهما تأثير قوة الأمر الواقع".

وأغلقت قوات الأمن يوم الإثنين، 7 فبراير/شباط، مقرَّ المجلس الأعلى للقضاء في تونس، ومنعت الموظَّفين من الوصول إلى المبنى.

وقال بوزاخر، رئيس المجلس، إن المجلس سيواصل عمله بغض النظر عن الإجراء، لكن مع وجود السلطة التنفيذية تحت قبضة سعيد، فقد يتبيَّن أن ذلك غير ذي مجدٍ في النهاية.

وقال بن عربية: "إنهم بحاجة إلى ميزانية ووسائل مالية يصوِّت عليها البرلمان. والسلطة التنفيذية هي الوحيدة التي تملك سلطة تخصيص الأموال والميزانية".

وأضاف: "سيخضع القضاء بمرور الوقت لسيطرة وتبعية السلطة التنفيذية باستخدام الوسائل المالية للضغط على المؤسسات القضائية وترسيخ حكم الفرد الذي كان سارياً خلال الأشهر السبعة الماضية".

ماذا يعني هذا لتونس؟

تعهَّد سعيّد، مساء الإثنين، بعد ساعاتٍ من إغلاق مبنى المجلس الأعلى للقضاء بأنه لا يريد التدخل في القضاء.

وقال سعيّد في كلمته: "أؤكِّد للجميع في تونس وخارجها أنني لن أتدخَّل في القضاء. لن أتدخَّل بأيِّ حالٍ أو بأيِّ تعيين. لا أريد السيطرة على كل السلطات".

لكن عدداً من جمعيات القضاة والنقاد دقوا ناقوس الخطر من أن تحرُّك سعيّد قد يمثِّل نهاية أيِّ أملٍ في الديمقراطية في تونس.

وقالت مونيكا: "المسألة اليوم ليست ما إذا كانت تونس ديكتاتورية أم لا، بل ما إذا كان بإمكان سعيّد ترسيخ ديكتاتوريته. وما حدث يوم الأحد يشير إلى أنه يسرِّع في اتجاه توطيد الديكتاتورية".

وتعتقد المحلِّلة أن تحرُّكات سعيّد الأحادية "قلبت" دستور 2014 وأعادت تونس سنواتٍ إلى الوراء.

وقالت: "إذا اختفى سعيد غداً، فإن إعادة تشكيل هذه المؤسسة وإعادة نسج المؤسسات الديمقراطية في تونس، التي كان يمزِّقها بشكلٍ منهجي منذ 25 يوليو/تموز، سيستغرق سنوات".

وقالت إن السبيل الوحيد للعودة هو أن تجتمع المعارضة وتقدِّم رؤيةً بديلة لحكم سعيّد، وهو سيناريو غير مُرجَّح بالنظر إلى مدى ضعف وانقسام الأحزاب السياسية منذ 25 يوليو/تموز.

أصل الأزمة

لم تبدأ الأزمة بين القضاء وقيس سعيّد بعد إعلان هذا الأخير عن الإجراءات الاستثنائية، في 25 يوليو/تموز 2021، إذ اعتبر المجلس الأعلى للقضاء في تونس نفسه في منأى عن هذه الأزمة التي جمدت البرلمان وحلّت الحكومة السابقة.

بعد ذلك تغير كل شيء، وبدأت الأزمة تتضح معالمها بين الرئيس والقضاة، إذ استدعى قيس سعيّد إلى قصر قرطاج أكثر من قاضٍ، واجتمع في شهر ديسمبر/كانون الأول 2021، بممثلين عن القضاة، يوجههم في مجموعة من القضايا.

ومن أهم القضايا التي عرضها الرئيس على القضاء، تلك التي المتعلقة بالانتخابات، والتي طلب فيها من القضاء ترتيب النتائج القانونية بخصوص تقرير محكمة الحسابات، والذي يظهر التمويلات الأجنبية التي حصل عليها بعض المرشحين في الانتخابات البرلمانية الماضية.

بعدها بدأت تحركات المجلس الأعلى للقضاء في تونس بعدما اقترب منه الخطر، فأصدر بيانات ضد توجهات الرئيس، رفض من خلالها المساس بالبناء الدستوري للسلطة القضائية وحل المجلس في هذه المرحلة الاستثنائية.

مقابل ذلك، لم يفوّت الرئيس أي فرصة لمهاجمة المجلس الأعلى للقضاء في تونس، إذ أعلن بشكل مباشر أنه "يستعد للإعلان قريباً عن مراحل جديدة حتى تستعيد الدولة والقضاء عافيتهما".

وأثار سعيّد غضب القضاة؛ إذ قال إن "القضاء هو وظيفة، وليس سلطة مستقلة عن الدولة، والسلطة والسيادة للشعب، وكلّ البقية وظائف".

وكان المجلس الأعلى للقضاء قد أكد في كل بياناته، وفي جلسته العامة المنعقدة بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول 2021، رفضه المساس بالبناء الدستوري للسلطة القضائية، وتمسكه بوضع القضاء كسلطة، وبشرعية المجلس الأعلى للقضاء، المستمدة من الدستور والقانون الأساسي المتعلق بإحداثه.

الناشط الحقوقي والسياسي أنور غربي، قال إن "قيس سعيد سيُواصل التحرش بالقضاء، والسعي لاستمالة قضاة لخدمة الملفات التي يحتاجها هو لصراعاته مع كل الجبهات المفتوحة، وسيسهل عليه ابتزاز القضاة الذين لديهم ملفات تدينهم كي يستعملهم".

وأشار المتحدث في تصريح لـ"عربي بوست" إلى أن "البعد الخارجي سيلعب دوراً كبيراً في كبح جماحه، من أجل ثنيه عن السيطرة على المؤسسة القضائية، التي باستسلامها تنتهي دولة القانون، وتونس تربطها اتفاقات ومعاهدات دولية، والقضاء المستقل جزء رئيسي وأساسي فيها.

وأضاف المتحدث: "ليس من مصلحة أحد انهيار المنظومة القضائية، وقيس سعيد نفسه لديه مصلحة كبيرة في بقاء المنظومة القضائية بعيدة عن التوجيه السياسي، لأنه هو نفسه سيُواجه القضاء بعد انتهاء مهامه والحصانة التي تحميه اليوم.

وبهذه الخطوة يصبح قيس سعد قد هيمن على القرار السياسي بالكامل في البلاد محكماً سيطرته على السلطات الثلاث (التنفيذية بحكم منصبه والتشريعية بعد خطوة حل البرلمان وأخيراً السلطة القضائية)".

 

مجتمع ميديا

  • الكويت والاتحاد الأوروبي.. صراع حديث جوهره تطبيق "القصاص" للردع والسيطرة على الجريمة

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153