قراءة في مشروع الإصلاح المعرفي عند الإمام محمد عبده (1)

قراءة في مشروع الإصلاح المعرفي عند الإمام محمد عبده (1)

الأربعاء، 20 يوليو 2022 10:22

 

نتناول في عدة حلقات جوانب من مشروع الإصلاح المعرفي لدى الإمام المجدد "محمد عبده"[1]، في محاولة لتتبع أهم العوامل التي أثرت في بواعث هذا المشروع، ومنهجيته، وقضاياه الأساسية.

العوامل التي أثرت في ظهور سؤال الإصلاح المعرفي

رغم الظهور الواضح للغرب في الإنتاج الفكري لـ"محمد عبده" كما في (الإسلام بين العلم والمدنية) والذي تضمن ردودًا مثلت الأركان الأساسية في مشروعه الإصلاحي، و(الإسلام والنصرانية) والذي تضمن – أيضًا – تفنيدًا لتكوينات عقلية عصر النهضة الأوروبية، وتقعيدًا لمقارنة الأصول المعرفية التي يقوم عليها كلًا من النموذج المعرفي الإسلامي، والنموذج المعرفي الغربي رغم كل ذلك إلا أنه لم يجعل من الغرب "مطية" يضع عليها أسباب التراجع والتخلف في الأمة.

لذلك اتجه محمد عبده إلى البحث في الذات المسلمة وما وراءها وسياقات تطورها والعوامل التي أدت إلى الهيئة التي عليها في العصر الحديث، محاولًا ليس فقط التعرف على أسباب أزمتها؛ بل أيضًا إدراك نوافذ إصلاحها. وكان "الدين" هو العامل المشترك في الوجهين السابقين (البحث في الأزمة وسبيل الإصلاح). وبالتحديد مكانة "الدين" ووظيفته المعرفية في مشروع النهوض الإسلامي، وطرائق فهمه ومنهجية تناوله "فالدين هو الذي ينطلق بالعقل في سعة العلم، ويسيح به في الأرض ويصعد به إلى أطباق السماء، ليقف به على أثر من آثار الله، أو يكشف به سرًا من أسراره في خليقته، أو يستنبط حكمًا من أحكام شريعته، فكانت جميع الفنون مسارح للعقول تقتطف من ثمارها ما تشاء، وتبلغ من التمتع بها ما تريد. فلما وقف الدين، وقعد طلاب اليقين، وقف العلم وسكنت ريحه، ولم يكن ذلك دفعة واحدة ولكنه سار سير التدريج"[2].

إن توقف "الدين" عن وظيفته كان بسبب "جمود" العقل المسلم، و"الجمود" هو الذي رآه الإمام هنا اعتبره تفسيرًا "داخليًا" و"ذاتيًا" لحالة التراجع والتقهقر الحضاري للأمة، و"الجمود" في اللغة ضد: الحركة، والتدفق، والخصب، والنماء، والجود. وعلى هذا فكان توقف العقل المسلم عن العطاء الحضاري هو عين الجمود المذكور.

 ويقصد بجمود العقل هنا: أن العقل المسلم قد توقف وثبت في مكانه ولم يَعُد قادرًا على الحركة والتدفق الفكري بما أفقده النماء والخصب المنتظر الناتج عن إعمال العقل في النظر في دينه ومتطلبات معاشه. وغياب "حركة العقل" أنتجت هذا "الجمود" الذي هيمن على الحياة الفكرية والاجتماعية للمسلمين فأصابها "السكون" و"اللا فعل" و"اللا عمل".

 وقد صنف المجالات التي أصابها الجمود في المشهد الإسلامي، ومنها: "الجمود في اللغة" أو ما يمكن وصفه بالأزمة اللغوية المعرفية، فاللغة ليست فقط أداة تعبير ولكنها – أيضًا- وعاء تفكير، ويرى علماء اجتماع اللغة أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين حالة اللغة وحال المجتمع "فاللغة ظاهرة اجتماعية ترتبط بناها ارتباطًا وثيقًا بين الفكر السائد في مجتمع معين، وهو ما يؤكد افتراض العلاقة الطردية بين التخلف في مجال اللغة والتخلف الحضاري"[3].

ولهذا نعى عبده غياب التطوير عن اللغة وإهمال البحث فيها، والارتقاء بها لتحقيق مواءمتها للعصر، حيث إن لكل عصر لغته وهذا ما لم تعتد به الأجيال اللاحقة من أهلها. وهكذا كل متأخر يقصر فهمه على النظر في كلام من يليه وهو غير مبالٍ بسلفه الأول؛ بل ولا بما كان يحفُ بالقول من أحوال الزمان، فهو لا ينظر إلا للفظ وما يعطيه، فتسقط منزلته في تحصيل اللغة بمقدار بُعده عن أهلها حتى وصل حال الناس إلى ما نراهم عليه اليوم: جعلوا دروس اللغة لفهم عبارة بعض المؤلفين في النحو وفنون البلاغة، وإن لم يصلوا منها إلى غاية في فهم ما وراءها فدرست علوم الأولين وبادت بضاعتهم" [4].

كما نبه الإمام إلى تراجع الاجتهاد وتوقفه في الأمة وغياب "العقل المسلم" عن النظر والاستنباط في مصادر التشريع (القرآن والسنة) والركون، بل والانكفاء والتسليم الكامل لفقه أدى دوره في سياقات اجتماعية مختلفة أُنشئ من أجلها وليس من أجلنا نحن، ومن ثم فإن وقوع "العقل المسلم" في أسر "الماضي الفقهي" وفي "كهفه" أدى إلى انحسار الشريعة، وفقدان الثقة بها والتماس الحق في غيرها، وسمى ذلك "الجمود في الشريعة".

هذا الجمود في فهم أحكام الشريعة جر إلى عُسر حمل الناس على قبولها: فالشريعة اليوم تضيق على أهلها حتى يضطروا إلى أن يتناولوا غيرها وأن يلتمسوا حماية حقوقهم فيما لا يرتقي إليها، وأصبح الأتقياء من حملتها يتخاصمون إلى سواها [5].

من ناحية أخرى يرفض عبده هيمنة التقليد المذهبي للآراء الفقهية، التي نتجت في زمن مختلف وفي مكان مختلف عن الأوضاع المعاصرة والوقوف عليها، هذه الآراء التي بلغت حد التقديس عند الفقهاء المحدثين الذين يصرون على "الوقوف عند عبارات المصنفين على تباينها واختلافها واضطراب الآراء فيها" [6].   

ويعد "الجمود الفقهي" أكثر أشكال الأزمة الحضارية خطورة، وذلك لأنه يؤدي إلى "الانفصال" المزدوج، الأول: انفصال المسلم عن عقيدته التي يرى فيها ضعفًا لحل مشكلاته الحيوية المعاصرة والمعاشة واللجوء إلى غيرها للحصول على  هذا "الحل" أو "الحق" ، والثاني: الانفصال عن الواقع المعاش والتخلف عنه لصالح واقع آخر يبعد عنه عشرات القرون[7].

ومن مظاهر الأزمة الحضارية- أيضًا- "الأزمة التربوية"، حيث أشار إلى "الجمود في التعليم" الذي أنشأ لنا أنماطًا متعددة من التعليم: الديني، والمدني، والأجنبي، وكل من هذه الأنماط قد أضر الأمة إما في عقيدتها أو معارفها وعلومها أو في شخصيتها وطريقة تفكيرها. ثم أشار إلى حالة "الأمة" التي رأى في تفرقها وتمزقها أكبر جنايات "الجمود" عليها، ذلك الجمود الناتج عن عاملين: الأول: التمذهب الذي فرق الأمة ومزق أواصر وحدتها ويقول في ذلك "وأعظم ما في هذه الجناية -أي الجمود على الاجتماع الإسلامي- جناية التفريق وتمزيق نظام الأمة وإيقاعها فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفرق المذاهب والشيع في الدين" [8]. أما العامل الثاني فهو انفصال شرط "الأعلمية" و"الفقاهة" في الدين عن الرياسة السياسية". كانت الملة كجسم عظيم قوي البنية صحيح المزاج، فنزل به من العوارض ما أضعف الالتئام بين أجزائه، فتداعت للتناثر والانحلال وكاد كل جزء يكون على حده واضمحلت هيئة الجسم. وبدأ هذا الانحلال والضعف في روابط الملة الإسلامية عند انفصال الرتبة العلمية عن رتبة الخلافة وقتما قنع الخلفاء باسم الخلافة دون أن يحوزوا شرف العلم والتفقه في الدين والاجتهاد في أصوله وفروعه كما كان الراشدون رضي الله عنهم" [9].

كما حَمَلَ محمد عبده على الحكام ودورهم في الأزمة الحضارية التي تعيشها الأمة وذلك بقدرتهم على إخراجها من الحالة التي هي فيها، لما لهم من سلطة وحكم وتأثير وقدرة، إلا أن عدم قدرتهم على "الفهم" الحقيقي لدورهم ودور "الحكومة" في حياة المجتمع أدى إلى مشاركتهم في حدوث هذه الأزمة وكانوا سببًا لها. ويقول في ذلك: "...أما الحكام – وقد كانوا أقدر الناس على انتشال الأمة مما سقطت فيه من الجهل بما فرض عليهم في أداء وظائفهم ما أصاب الجمهور الأعظم من العامة ولم يفهموا من معنى الحكم إلا تسخير الأبدان لأهوائهم، وإذلال النفوس لخشونة سلطانهم، وابتزاز الأموال لإنفاقها في إرضاء شهواتهم، لا يرعون في ذلك عدلًا، ولا يستشيرون كتابًا، ولا يتبعون سنة، حتى أفسدوا الأخلاق كافة بما حملوها على النفاق والكذب والغش والاقتداء بهم في الظُلم وما يتبع ذلك من الخصال التي ما فشت في أمة إلا حل بها العذاب"[10]

خلاصة: إن العوامل الذاتية للأزمة الحضارية مثلت بؤرة الاهتمام الفكري لمشروع محمد عبده الإصلاحي، ولم يعول على العوامل الخارجية التي يتخذها البعض عامل للاستكانة والجمود على الموجود، ولهذا الاعتقاد في تحميل المسلمين مسؤولية أوضاعهم الحضارية مردود على منهجيته في رؤى الإصلاح المعرفي كما سنتناوله لاحقًا إن شاء الله تعالى.

 

 

 

 

 

 ___________________________________

[1]  هو محمد عبده حسن خير الله ( 1849-1905) فقيه ومجدد مصري، تلقى دروس الفقه والشريعة وحفظ القرآن الكريم بالجامع الأحمدي بطنطا ثم انتقل إلى الدراسة بالأزهر عام1865 فدرس الفقه والتفسير واللغة والنحو والبلاغة، وحصل على الشهادة العالمية منه عام 1877. بدأ حياته الإصلاحية مهتما بالإصلاح عبر السياسة وكان من المؤيدين للثورة العرابية 1882؛ لذا تم نفيه إلى بيروت ثم إلى فرنسا حيث التقى هناك بجمال الدين الأفغاني وأصدرا سويًا العروة الوثقى والتي توقفت بعد ثمانية عشر عددًا.   قام محمد عبده بكتابة وشرح عدد من الكتب منها "رسالة التوحيد"، تحقيق وشرح "البصائر القصيرية للطوسي"، تحقيق وشرح "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" للجرجاني، ونهج البلاغة للشريف الرضي، كتاب "الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية" وفي هذا الكتاب قام الإمام محمد عبده بإجراء مقابلة بين الإسلام والمسيحية وأثرهما في العلم والمدنية، تقرير إصلاح المحاكم الشرعية سنة 1899. (انظر حول سيرته الذاتية: الطناحي طاهر. (عرض وتحقيق وتعليق)، مذكرات الإمام محمد عبده سيرة ذاتية، القاهرة، كتاب الهلال، العدد507، مارس 1993).

[2] محمد عبده: الإسلام بين العلم والمدنية، القاهرة، كتاب الهلال، العدد 114، 1960، ص169.

[3] محمد يونس علي: "أزمة اللغة ومشكلة التخلف في بنية العقل العربي المعاصر"، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة وآدابها، ج87، ع29، ص66.

[4] محمد عبده الإسلام بين العلم والمدنية، مرجع سابق، ص170.

[5] المرجع السابق، ص173.

[6] المرجع السابق، ص162.

[7]طه جابر العلواني: نحو التجديد والاجتهاد، القاهرة، دار تنوير للنشر والتوزيع، 2008، ص63

[8] محمد عبده: الإسلام بين العلم والمدنية، مرجع سابق، ص171.

[9] محمد عبده: "انحطاط المسلمين وسكونهم وسبب ذلك"، العروة الوثقى، القاهرة، دار العرب، 1957، ص34 .

[10]محمد عبده: الإسلام بين العلم والمدنية ،مرجع سابق، ص101 .

آخر تعديل على الأربعاء, 20 يوليو 2022 10:23