مجلة المجتمع - خارطة طريق صلاح الدين لاسترداد فلسطين

خارطة طريق صلاح الدين لاسترداد فلسطين

الشيخ محمد الفوزان الجمعة، 21 مايو 2021 03:53

ذكر القاضي الفاضل في كتابه (عيون الروضتين) ان شاباً من المسلمين كان أسيراً لدى مملكة بيت المقدس الصليبية كتب الى السلطان صلاح الدين رقعة قال فيها:

يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكسّ

جاءت اليك ظلامة تسعى من البيت المقدّس

كل المساجد طْهرت وأنا عليّ شرفي منجسّ

وكتب في آخرها نشتاق لنسمع الآذان من المسجد الأقصى.

عندما وصلت هذه الرقعة الى صلاح الدين بكى متأثراً، وشعر ان تحرير بيت المقدس قد أن أوانه، فوضع خارطة طريق الى تحريره من المحتلين، انطلق سنة 583 هـ، وجد في بيت المقدس ما يزيد عن 60 ألف رومي كلهم قد تم تعبئتهم وتحريضهم على ان الموت أهون عليهم من تسليم فلسطين للمسلمين كانت الظروف السياسية في ذاك الزمان كظروفنا اليوم من الانقسام والتشرذم والنزاع، ففي كل بلدة دولة وفي كل بقعة حكومة، في دمشق دولة، وفي بعلبك دولة، وفي حماة دولة، وفي حلب دولة، وفي ماردين دولة، وفي الموصل دولة وفي سنجار بجنب الموصل دولة، وفي الحلة دولة، وفي بانياس دولة وفي الجبل دولة، الخ، وكان في كل دولة ملك وأمير لهم اسماء عجيبة وسيرَ أعجب، وكانت قد دهمت الشام قبل صلاح الدين حملتان صليبيتان جاءتا كموج البحر، لهما أول وليس لهما آخر، ساقها الطامعون باسم الغيرة على النصرانية وانقاذ أرض المسيح واحتلال فلسطين، وكانت لهم دول لا دولة واحدة، فلهم في القدس مملكة، وفي انطاكية امارة، وفي طرابلس امارة، وفي الرّها حكومة، بالاضافة الى عشرات القواعد والقلاع العسكرية المتناثرة في الشام، هذه الدول طالت جذورها وبسقت فروعها وباضت وفرخت وحسب اهلها وحسب المسلمون انها امتلكت الشام وفلسطين ال الابد، فكيف استطاع صلاح الدين ان يضع من ضعف المسلمين قوة، ومن انقسامهم وحدة، حتى واجه أوروبا كلها وأزال ما أمكن من بقايا الحملتين الماضيتين ورد الحملة الثالثة الهائلة التي رمته بها أوروبا؟ انه مارد العدو بعدد المسلمين ولا بعددهم، ولكن بالسلاح الوحيد الذي لا ينفع في هذا المقام غيره، بالايمان والعدالة، لقد تمسك بأهداب الدين وأقام دولته على اساس من الاسلام متين، وقرب أهل العلم والحكمة والدين، ونشر العدل فكان مستشاروه وخاصته اعلام العصر: القاضي الفاضل والقاضي ابن الزكي والقاضي ابن شداد، وكان كلما نزل بلداً دعا علماءه، ومن كان لا يأتي على ابواب السلاطين اخذ أولاده وذهب اليه، مثلما ذهب الحافظ الاصبهاني في الاسكندرية، كان يحرص على صلاة الجماعة، ويواظب على مجالس العلم والحديث، حتى في ليالي القتال، لم يترك صلاة الليل إلا نادراً، يلجأ الى الله كلما داهمته الشدائد وضاقت عليه المسالك، فيجد الفرج والنجاة، وكان يقيم الحق ولا يبالي ولا يحابي احداً، اخذ مرة ابن اخيه تقي الدين وأعز الناس عليه بشكوى عامي من دمشق اسمه ابن زهير وعاقبه، كان اعتماده على الله، ما استكثر عدواً ولا خافه، كان رحمه الله معتلاً بدمامل ما تفارق نصفه الادنى، ومع ذلك يركب الخيل ويصبر على الالم ويخوض المعارك، واي معارك، انا لا اعرف في كل ما قرأت من كتب التاريخ جيشا خاض في المعارك اكثر مما خاضه جيش صلاح الدين حتى كتب له النصر في حطين، ونجح في استرداد فلسطين وبيت المقدس من المحتلين، بعد ان كانت محتلة قرابة 88 سنة ، أفتشكون يا سادة في استردادها اليوم بعد ان مضـى على احتلالها قرابة 74 سنة، ان الأمة التي اخرجت صلاح الدين وهي أسوأ من حالنا اليوم حالا واشد انقساماً وأكثر عيوباً… لا تعجز عن ان تخرج اليوم مثل صلاح الدين، وان نكبة فلسطين بالصليبيين كانت اشد بمئة مرة من نكبتها اليوم، وقد مرت وتلاشت وانتهت، واذا عجزنا نحن على ان نعود الى مثل سيرة صلاح الدين ليكتب لنا مثل نصر حطين، فسيخرج الله من اصلابنا من هم انقى منا وأطهر، وسيستردون فلسطين.

مجتمع ميديا

  • الأمن التونسي يتدخل لمنع مواجهات بين مؤيدي ومعارضي تجميد البرلمان

ملفات تفاعلية

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153