مجلة المجتمع - لنقف مع فلسطين.. من أجلنا

لنقف مع فلسطين.. من أجلنا

عبدالحميد الجلاصي الأربعاء، 12 مايو 2021 02:07

خلال 70 عاماً كانت فلسطين حادي القافلة، وكانت هي ضميرنا الإنساني وامتحاننا الأخلاقي، وكانت هي امتحان انتمائنا الديني والثقافي والحضاري، وكانت هي عقلنا الإستراتيجي وبوصلتنا السياسية، وكانت قبل كل ذلك هي من يعلمنا الحس السليم وبديهيات الحياة.

فلسطين خزان الحكمة ومعلم التاريخ، وبديهية البديهيات أن الحقوق لا تسقط بالتقادم.

قد يستمر الاحتلال سنة، أو عشراً، أو قرناً، أو قرنين، ولكنه في النهاية ينتهي ويمضي، وأثناء ذلك يتعب كثيرون ويعجزون عن تحمل أعباء الطريق، ويشك كثيرون ويستسلمون للغة الواقع والحكمة والبراغماتية، ويدخلون سوق التنازلات، وهي بئر ما لها من قرار، الداخل فيها مفقود، ولا خروج منها.

وحدهم الذين يسلمون بالبديهيات ويستفتون حسهم السليم يعرفون الطريق، ووحدهم الذين يوقنون أن استرجاع الحقوق يتطلب أثماناً يسلمون من غواية الأوهام، ووحدهم الذين يدفعون الثمن من دموعهم وعرقهم ودمائهم يصنعون التاريخ، ولا يفعلون ذلك وهم يتشمسون على الشواطئ.

فهم يجيدون تقنية الكر والفر، وترويض الزمن، وملاعبة الأفاعي، ولا يبخلون في سبيل ذلك بشيء، يدركون موازين القوى ويعتبرونها موضوعاً للتغيير لا أداة لشل الإرادة، ويفرقون بين مراعاة تلك الموازين والاستسلام لها، فهم جزء من المعادلة ومحرك من محركاتها، ولا يزعجهم الصبر فهو صديق الثوار.

كل المقاومين على مر التاريخ كان لديهم ما يشبه يقين الأنبياء.

هكذا كان الجزائريون وشعوب أفريقيا وهم يقاتلون فرنسا المتغطرسة، وهكذا كان الفيتناميون وهم يقاومون الأمريكيين، والأفغان وهم يتصدون للإمبراطورية الحمراء.

فلسطين الضمير

كلنا لآدم وآدم من تراب، الطين الأصلي يسوي بيننا، والاستعمار ينفي إنسانيتنا، فهو يشوه المحتل الذي يستعبد غيره، ويشوه الذي يخضع لشروطه فلا يقاومه، ويشوه أيضاً الذي يتواطأ معه بالصمت أو بالتبرير.

وحده الموقف المقاوم هو الموقف الإنساني، ووحده الموقف الرافض والمعلن والصريح هو الموقف الأخلاقي.

فلسطين والأقصى والشيخ جراح وأطفال غزة امتحان لإنسانيتنا ولجوهرنا الأخلاقي، هكذا بكل بساطة.

امتحان الانتماء

لا يوجد إنسان خارج الزمان وخارج المكان، فالإنسان هو ابن الطين وابن الجغرافيا، والجغرافيا يصنعها التاريخ وتكيفها الثقافة.

الإنسان كائن منتم بالضرورة، والانتماء مسألة تتجاوز ظاهر المعتقدات لتغوص أحشاء الكينونة وفي أعماق الأحاسيس والمشاعر، وترتبط أشد الارتباط بالأمكنة والأحداث والعلامات والرموز.

قبة الصخرة، والأقصى المبارك والقدس الشريف، وكما الكعبة المعظمة والمدينة المنورة، وكما القيروان ودمشق وبغداد والقاهرة وفاس وإسطنبول وكما سير الأنبياء والقادة العظام، ليست ملكاً للمتدينين فقط ولا لأهلها فقط، لقد صنعت مزاجاً وخيالاً ووجداناً، وما يحدث اليوم يعد امتحاناً لعمق وصدق انتمائنا، والانتماء ليس ادعاء، إنه أعباء وتكاليف.

فلسطين البوصلة السياسية وخارطة الإنقاذ

في كل محطات الجزر التي اعترضت وعينا واصطدمت بها إرادتنا العربية خلال نصف القرن الماضي كانت فلسطين هي المنقذ تمد لنا يدها لتعدل البوصلة ولتعيد ترتيب أذهاننا.

لقد أعطتنا فلسطين كل شيء؛ في الهزائم والانكسارات دفعتنا إلى مراجعة أفكارنا، كما أنقذتنا الانتفاضات من مهاوي اليأس والإحباط.

لذلك، فان الوقوف مع فلسطين اليوم ليس من أجلها، بل من أجلنا نحن.

لفلسطين أبطالها الذين عركتهم تجارب وصيغ النضال جيلاً بعد جيل، وهم الآن بصدد صياغة الإستراتيجيات المتناسبة مع الأوضاع الجديدة ومع التطورات التكنولوجية، وأعظمها المقاومة الشعبية الواسعة وطويلة الأمد وتوحيد الساحة الفلسطينية بساحاتها الخمس في القدس وغزة والضفة وأراضي 48 وفلسطينيي الشتات.

غير أن مقاومة الاحتلال ليست مناظرات في مدرجات الجامعات، ولذلك تبدع المقاومة في كل المجالات وتفاجئ الصديق والعدو وتجبر الجميع على مراجعة الحسابات.

إن وقوفنا مع الشارع والمقاومة في هذه المعارك هو سياسياً من أجلنا نحن، فمنذ أن وطأت حوافر خيول نابليون أرض مصر عام 1797 دخلنا تاريخياً معركة جديدة، هي معركة الاستقلال/ الاستعمار، وحتى الآن لم نغادر مربعات تلك المعركة وعنوانها الأبرز اليوم هي فلسطين، وعندما تتغشانا الغفلة تأتي فلسطين الضمير لتذكرنا.

إن الثورات التي اندلعت عام 2011 في منطقتنا العربية كانت محطة جديدة في هذه المعركة الكبرى وتقويماً جديداً في تاريخنا المعاصر، وبقدر ما عكست الانطلاقة المتزامنة والسريعة عمق المشاعر الوحدوية، فإن انتكاسة صائفة 2013 وذروتها الانقلاب المصري قد أغرقت كل بلد في مشاكله الخاصة ونجحت في ترويض القوى الجديدة وتمييع بصمتها الوحدوية كما أضعفت اهتمامها بفلسطين.

المؤسف أنه بقدر ما تتعزز التكتلات في العالم وفي المحيط العربي بقدر ما تضمر أبعاد التنسيق والتكامل بينهم، وأن الانتباه لهذه الأبعاد ليس ترفاً ولا فضيلة أخلاقية، بل هي قضية حياتية لا يمكن أن نضمن الحد الأدنى من وجودنا كعرب.

إن التموقع في الساحة الدولية وفي الأسواق العالمية هي حرب ناعمة متعددة الأبعاد، ولقد نجح "شركاؤنا" في فرض إستراتيجيتهم في تفاوض نخوضه منفردين وغالباً ما نكون متنافسين.

إن ما يفعله الشباب الفلسطيني وكل المقاومين حين يعضون على كل شبر من أرضهم ومقدساتهم هو تذكير لنا بالحقائق وإزالة للغشاوات والأوهام عن أعيننا.

وأهم من يتصور انتهاء معارك الاستقلال، وواهم من يتصور تنمية وطنية دون حد أدنى من التنسيق والتعاون والتكامل، وواهم من يتصور نهاية نهم السيطرة وجشع الربح عند الشركاء.

وهكذا يعيدنا المستوطنون إلى حقائق الأرض، فلا يوجد احتلال ناعم، إنما يحدث جريم اقتلاع.

وهكذا يرسم لنا الأطفال والشباب والشيوخ والنساء الطريق الوحيدة الممكنة، طريق المقاومة، وهي وصفة تأخذ تلوينات مختلفة حسب الأوضاع، فهي معركة تحرير في فلسطين، وهي معركة إخراج الأجانب في عدد من مناطق التوتر، وهي معركة استكمال الاستقلال وتحرير القرار الوطني في غيرها، وهي كلها معارك متكاملة وتتبادل التأثير.

المقاومة تنوب عنا في الجبهة المتقدمة، فلا أقل من أن نؤدي دورنا في الدعم والإسناد بما يليق بتونس الثورة، وحسبما تتيحه أوضاع الجائحة في إستراتيجية يتكامل فيها الشعبي والمدني والشبابي مع الموقف الرسمي.

آخر تعديل على الأربعاء, 12 مايو 2021 14:22

مجتمع ميديا

  • الأمن التونسي يتدخل لمنع مواجهات بين مؤيدي ومعارضي تجميد البرلمان

ملفات تفاعلية

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153