مجلة المجتمع - محطات في مقال

محطات في مقال

عائشة اللوغاني الإثنين، 26 أبريل 2021 09:16

كتبت سمية النحاس مقالاً على موقع "الجزيرة نت" عن الصيام في شهر رمضان بتاريخ 4/ 4/ 2021، واستهلت مقالها في عبارة معبرة عما يحدث للإنسان عندما يهم بالقيام بسلوك ما، والعبارة هي "يقلل سيطرة أدمغتنا الزاحفة ويمنحنا السيطرة على غرائزنا" وهي تقصد الصيام، نعم.. بداية أي سلوك من الدماغ بما يحمله من صور ذهنية تقبع في عقولنا كما ذكر عالم الطب النفسي الشهير ويليام جلاسر، صاحب نظرية الاختيار والعلاج الواقعي، فلكل سلوك صورة من هذا الألبوم التي ترسل بدورها رسالة إلى قشرة الدماغ لتترجم إلى سلوك من خلال الجوارح، أثر الصورة خطير على سلوك الفرد ما لم يكن هناك وعي بآثار ما سيقدم عليه من أفعال رسائل الدماغ بدون وعي أو وازع ديني كأنها تزحف فعلاً دون أن يشعر الإنسان بذلك.

وتطرقت إلى الفوائد التي ذكرها عالم الاجتماع آرثر سي بروكس في مقاله الذي نشره في مجلة "ذي أتلانتك"، استوقفني المقال بمحطات تحتاج الكثير من التأمل والتفكر أقصد مقال د. آرثر تحديداً.

قبل التوقف في هذه المحطات لاحظت أن عالم الاجتماع بروكس -وقد أذهلني بما كتب- كأنه عالم نفس لا عالم اجتماع، فقد كان عميقاً جداً في طرحه لخبايا النفس البشرية التي بدأها بعنوان ينم عن هذا العمق في نظرته لها، لفت نظري عنوان مقالته ألا وهو "التضحية الطوعية"، وهو مصطلح في الدين المسيحي، مصطلح يختصر معادلة في ديننا الإسلامي ألا وهي "الإيثار، جهاد النفس، العطاء"، ولأشارككم هذه المحطات:

الأولى: أن الصيام الذي أسماه د. آرثر "الصوم الكبير" أو "التضحية الطوعية" بمعنى أن تضحي في رغباتك وشهواتك وبإرادتك واختيارك وبوعي منك بفوائد وآثار هذه التضحية؛ مما يجعلك تشعر في سعادة برغم الحرمان، وهنا يكمن السر في سكينة نفس المؤمن عندما يقوم بأداء ما أراده الله منه من أوامر حتى وإن كان ظاهر الأمر حرماناً مما تريد، كما يفسره أهل النظرة المادية والهوى، إلا أن المؤمن ينفذ أوامر الله بطمأنينة وسلام، فالصورة الذهنية في عقل المؤمن هي أن طاعة الله جل وعلا هي السعادة والرضا وإن كان هناك قسوة، ففي الحرمان رحمات.

الثانية: ربط د. آرثر ربطاً ذكياً بين "التضحية وتحسين الذات" وتحسين الذات بمعنى تنميتها، والتحسين من الإحسان وهو تزكية النفس والارتقاء بها، نتوقف قليلاً مع كلمة تحسين، فقد ذكر مدير سابق في معهد "النهوض بالصحة" في الولايات المتحدة آلان ليكس أن معاونة الآخرين ومساعدتهم تقلل حدة الضغط العصبي عند المعطي الذي يضحي طوعاً بوقته وماله وملذاته، لأنه سينشغل عن التفكير بهمومه ومشكلاته، وهذا عكس ما يظنه أو يشيعه البعض بأن السعادة بالأخذ والاستحواذ وليس العكس وتجده يردد: "ما دخلي أنا بهم؟ لماذا أتعب نفسي؟ لا تعور راسك".. إلى آخر العبارات التي تعكس الأنانية والنظرة المادية الشرسة للحياة والعلاقات، كما أن الإيثار أو العطاء لا يقتصر على الجانب المادي فقط، بل حتى تبسمك في وجه أخيك يعد عطاء وتضحية بمزاجك المتعكر أحياناً، فهو يجبر القلوب التي تتألم والتي هي بأمسّ الحاجة لمن يريحها ولو للحظات.

وفي دراسة ذكرها موقع "الإمارات اليوم"، في 29 فبراير 2016، وقد استمرت هذه الدراسة 75 عاماً في جامعة هارفارد، حدد فيها مدير مركز دراسات البالغين روبرت والدنغر 5 أسباب تجعل الإنسان سعيداً، وأحد هذه الأسباب الخمسة هو "العطاء" الذي يعد تضحية، فقد أثبتت الدراسة أن الأشخاص الذين يميلون لمساعدة الآخرين يعيشون معدل سعادة أكثر من غيرهم، بالإضافة إلى أن أحد طرق علاج الاكتئاب المزمن هو دفع المريض لمساعدة الآخرين حتى يخرج تدريجياً من اكتئابه.

الثالثة: ذكر د. آرثر أن "ضبط الحواس هو نتيجة للتضحية الطوعية"، وهنا ملمح نفسي مهم جداً، وهو أن الحواس هي باب الدخول إلى العقل، فالحواس تلتقط من الواقع الخارجي كل ما يدور من أحداث ثم تدخلها إلى العقل لتشكل صوراً ذهنية بحسب إدراك الشخص لما يحدث، فالشخص المدرك الواعي يمتلك فلاتر عقلية يمر من خلالها ما تستقبله حواسه، أما الآخر الذي يستقبل دون فلترة هنا تكمن الخطورة وسيكون شخصاً "مع الخيل يا شقرة"، مثلاً من يمتلكون هوس الموضة في كل شيء دون مراجعة لما يناسبهم أو لا يناسبهم، هم تائهون تستغلهم الصور، إذاً عبارة "ضبط الحواس" التي ذكرها د. آرثر تؤدي إلى ضبط السلوك، ومن ثم قدرة عالية على التحكم في الذات، وفي هذه الحالة يحصل التحسين الذي ذكره.

وقد ذكر ذلك د. ويليام جلاسر، الطبيب النفسي الشهير صاحب نظرية الاختيار والعلاج الواقعي، ذكر أن من أهم أسباب تنمية الذات هو التحكم بها؛ أي ضبط الحواس بداية.

الرابعة: ذكر د. آرثر أن "التضحية جزء من مخزون السعادة"، وهي تنقسم إلى:

1- تضحية بدافع الحب، وهي الأصل التي تعمق الإيمان وتسعد الآخرين ولن يحدث التأثير المطلوب بأي اتجاه دون العطاء بحب. 

2- تضحية بدافع الخوف وهي لاتقاء شر الطرف الآخر وابتعاداً عنه وعن ألم الخوف.

وهنا نقف مع من يريد أن يدعو الآخرين لدين أو لخلق أو لفكرة أو لأي رسالة يريد أن يوصلها "اجعل رسالتك مغلفة بعطاء الحب حتى يتحقق التأثير المطلوب"، قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159).

وهنا قد نجد تفسيراً لبعض حالات في بعض الأسر التي فر أبناؤها من الأفكار والقناعات والسلوكيات التي كان يلقي فيها الوالدان المحاضرات للتأثير في الأبناء بجو فيه من القسوة والغلظة والجدية المبالغ فيها.

ختاماً..

التضحية الطوعية من خلال الصوم الكبير، بحسب تعبير عالم الاجتماع د. آرثر سي بروكس، التي تقابل جهاد النفس مع العطاء والإيثار في مفرداتنا كمسلمين، هو سلوك من المودة والرحمة متدفق من القلب تجاه الآخرين الذي يؤثر على وظائف الدماغ، من خلال أنه يستحث جزأين مهمين من الدماغ في المركز العاطفي؛ مما يعزز السلوك، وبالتالي إعادة تكراره، والسر في الشعور بالنشوة والفرح، وهذا يفسر سعادة واطمئنان المؤمن الذي لا يشعر به الشخص البخيل طبعاً، واستحثاث المنطقة الدماغية المسؤولة عن الانتماء الاجتماعي وتقوية الروابط الاجتماعية فيقوى المجتمع، وهذا ما وجده عالمان علم الأعصاب جيوردن جرامفان، وجورج مال في بحثهما عام 2006.

وقد قيل في الأثر: "من عرف نفسه عرف ربه"، وما هذه الدراسات والأبحاث التي تربط بين السلوك والدماغ وصحة الإنسان النفسية والجسدية ما هي إلا قنطرة تنقل التائهين في الشك أو الإلحاد أو الضياع عن ذواتهم في هذه الحياة إلى فهم رسالتهم ودورهم فيها.

آخر تعديل على الإثنين, 26 أبريل 2021 09:39

مجتمع ميديا

  • الأمن التونسي يتدخل لمنع مواجهات بين مؤيدي ومعارضي تجميد البرلمان

ملفات تفاعلية

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153