مجلة المجتمع - لِمَ البكاء على أطلال الزمن الغابر؟!

لِمَ البكاء على أطلال الزمن الغابر؟!

ربيع حفني الخميس، 01 أبريل 2021 09:38

نحن -العربَ- أدمنا وأجدنا البكاء على الأطلال منذ أمد بعيد، ولا غرو فهو يبعث الشجا في النفوس، ونستعيد به شريط ذكرياتنا القديمة، على حد قول عنترة:

لِمَنْ طَللٌ بالرْقَمتين شجاني ** وعاثت به أيدي البِلَى فحكاني[1]

وطفرة بعد أخرى انتقلنا من البكاء على أطلال المكان للبكاء على أطلال الزمان الغابر، الذي حوى أحداثًا مريرةً، فهذا صاحب لي يقف كثيرًا على أطلال الماضي، لا ليتعظ أو ليأخذ منه العبر كي يفيد بها في مستقبله، إنما ليجترَّ أحزانه ومآسيه، صاحبنا لا يبرح أحداثه المدبرة، ويجعلها ميزانه الذي يزن به القيم، والأشياء، والناس أمس واليوم وغدًا، تراك صديقي العزيز أصابتك لُوثة هذا الصاحب فتوقف بك الزمن عند حدث بعينه، سارًّا كان هذا الحدث أو حزينًا، أقبلت عليك فيه الدنيا أم أدبرت؟

أُخيَّ هل أعيتك الحيلة مرة فتوقفت بك الأيام عند أزمة مدلهمة جعلتك لا تبرح مكانك كأنك قد شُلت أركانك، ولا تدري ماذا أنت فاعل؟

إن كنت قد تعرضت لذاك يا صاحبي فتعال نذهب معًا في رحلة ماتعة عبرَ التاريخ، لنطالع سيرة سيد المرسلين، لنرى هل توقف الزمن برسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عند حدث جلل بعينه؟ وكيف كان يفعل حيال تلك الأزمات المتتالية، والمواقف المتباينة؟ لنتعلم منه -صلوات ربي وسلامه عليه- كيف نصحح مسارَنا، ونتجاوزُ العقبة الكؤود التي تعترض طريقنا؟ ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةً لِمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ﴾[الأحزاب:21]

لتكن بدايتنا من الحصار الظالم الذي فرضته قريش نحوا من ثلاث سنين، وما يكاد يخرج منه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلا ويفجع في سندين عظيمين عمه أبي طالب وخديجة -رضي الله عنها- وحق له إذن أن يسميه عام الحزن، ريثما أن قريشًا قد تجرأت عليه، ونالوا منه، واضطهدوه أيما اضطهاد، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.

ترى هل انكفأ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على أحزانه، وتوقف به الزمن عند تلك اللحظة العصيبة يندب حظه، ويلقي باللائمة على أعدائه؟ لا، لقد توجّه برسالته إلى المدينة الثالثة في الجزيرة بعد مكة والمدينة، ذهب إلى الطائف، وهي من أقرب البلاد إلى مكة، علّها تكون أحسن قبولا، فولَّى وجهه شطر (ثقيف) يلتمس نصرتها، وفي هذا طرح للبدائل وعدم الجمود على طريقة واحدة.

وفي غزوة أحد كُسرت رباعيته، وشُجَّ رأسه صلوات الله وسلامه عليه، واستُشهد سبعون من عظماء الصحابة رضوان الله عليهم، منهم عمه الذي مُثِّل به، وراح أبو سفيان يفت في عضد المسلمين قائلا: يوم بيوم بدر، اعل هبل!

فماذا فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

لم يترك أصاحبه لجراحهم المثخنة، وإحباط الهزيمة النكراء، وأحزانهم الدفينة على الشهداء، ولم يتركهم لكلمات أبي سفيان تفعل فيهم ما لم تفعله السيوف، بل قال: «قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجلّ، لا سواء، قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النّار " تتجلى لنا في هذا الموقف مدى العظمة المحمدية، التي تأبى أن تتسلل الهزيمة النفسية للمسلمين، وتفتح لهم طاقة إيجابية مهولة، فشتان شتان بين مصير المؤمنين، ومصير الكافرين.

وإن تعجب فعجب خروجه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى حمراء الأسد في أثر العدو! متى؟ في اليوم الثاني عقب أحد !" إن المسلمين دفنوا موجدتهم في أفئدتهم، ولم يستسلموا لأحزان المصاب الذي حلّ بهم، وكان تكاثر خصومهم حولهم سببًا في أن يقاوموا عوامل الخور، وأن يُبدوا للناس بقية من قوة تردُّ عنهم كيد المتربّصين، على نحو ما قال الشاعر:

وَتجلُّدي للشَّامتين أُريهُمُ ... أَنِّي لرِيَبِ الدّهر لا أَتَضَعْضَعُ

فرأى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعيدَ تنظيم رجالِه على عجل، وأن يتحامل الجريح مع السليم على تكوين جيش جديد يخرج في أعقاب قريش؛ ليطاردها، ويمنع ما قد يجدُّ من تكرار عدوانها"[2]

هذه المرة أحدقت بالمدينة كتائب الأحزاب، وأحيط بالمسلمين من كل جانب، كما قال تعالى: ﴿إِذۡ جَآءُوكُمْ مِنْ فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا﴾ [الأحزاب:10-11)

وهدف تلك الحشود إنهاء الوجود الإسلامي واجتثاثه من الأرض العربية، فهل توقف الزمن برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ بل على العكس تمامًا، راح يسابق الزمن في خطوات ثلاث حوَّلت مجرى المعركة كاملًا:

  • حفر الخندق الذي أحبط الهجوم كله، وحصر خسائر المسلمين في ستة شهداء فقط، فالقتال المباشر أمام هذه الحشود يعني الهزيمة المحققة، لذا لم يجد حرجًا في الأخذ بفكرة دفاعية فارسية في الحرب، فكرة الخندق.
  • الثبات عند خبر بني قريظة وخيانتهم الغادرة، لقد تلقاها -صلوات الله وسلامه عليه- بالتكبير، والبشارة بالنصر، والكتمان كذلك حفاظا على معنويات الجيش المحاصر، وأي قائد غير رسول الله ما كان أمامه إلا إعلان الاستسلام.
  • كاد أن يبرم اتفاقا مع غطفان بإعطائها ثلث ثمار المدينة، وهذه خطوة للوراء لتحطيم الحصار بشق صف العدو.[3]

نأخذ نموذجًا فريدا ومغايرا في الوقت ذاته للحظة فارقة، حيث الفتح المبين لمكة المكرمة، وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غمرة النصر الذي أكرمه الله به لم يتوقف به الزمن عند عشر سنوات في مكة من الأذى والمطاردات، لم يتوقف به الزمن عند عشرين عامًا من الحروب والدسائس والمؤامرات، لم يتوقف به الزمن عند هذا الماضي الأليم، لينتقم ويصفي الحسابات، بل راح ينظر للمستقبل القريب والبعيد، فلم يساير مشاعر الانتقام التي راودت بعض الصحابة، وكان حريصًا على دخول مكة بأقل الخسائر كي لا تجد حرجًا أو غضاضةً بعدها في الدخول إلى الإسلام، مستجيبا لقول الله سبحانه:"وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾[فُصِّلَت:34] أما لو وقعت المقتلة العظيمة في كل بيت من قريش وفي بطحاء مكة، فستدخل هذه القلوب في الإسلام ذليلةً، هذا إن دخلت!

لقد ألجم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزوات العواطف، والتمادي مع مشاعر الانتقام، والوقوف مع الماضي لدى المظلومين، وحاصر في الوقت نفسه اندفاعات العزة بالإثم، وحمية الجاهلية في نفوس الظالمين، وكبح جماحها، وأتاح الفرصة لصوت الحق أن يظهر أمام الجميع من خلال سياسة حكيمة تمثلت في:

  • إخفاء تحركاته عن قريش منذ الإعداد للفتح.
  • الموافقة على تأمين قائد مكة أبي سفيان بن حرب عله ينقذ مكة من المواجه، وقد كان، وبهذا فرض حظر التجوال، والأمان العام لكل من دخل بيته أو الحرم أو بيت أبي سفيان.
  • يتضح حرص النبي صلوات ربي وسلامه عليه على هذا المعنى كذلك من موقفه من سيد الخزرج سعد بن عبادة، فقد كانت راية الأنصار معه، فلما مر بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا. فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بل اليوم يوم المرحمة، اليوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله قريشًا، ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء.
  • العفو العام، يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
  • رفض جمع الحجابة مع السقاية لبني هاشم، وإعطاء عثمان بن طلحة المفاتيح، فلم يؤثر آل بيته بشيء مما كان بين يدى بقية قريش، وفي ذلك استقرار للأوضاع القائمة ما دامت لا تخالف الإسلام، وطمأنة لسائر بطون قريش.[4]

هكذا علمنا رسول الله -صلوات ربي وسلامه عليه- ألا نتوقف على أطلال الزمان المنصرم، خاصة أن نهر الحياة يجري بنا شئنا أم أبينا، وسنرتشف من حلوه، ونتجرع من مره كأسًا وأخرى.

هكذا علمنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ألا يقف بنا الزمن عند حدث مرير، فننغص به حياتنا، ونضعف من خلاله قوانا، ألا ما أضيع العمر حين ينفقه الإنسان في البكاء، والنعيب على حدث طواه الزمن، ليزيده ألَمًا، وحرقة، وحسرة !وما أجمل قول الشاعر:

قُلْ لِقَوْمٍ يَسْتَنْزِفُونَ الْمَآقي     هَلْ شَفَيْتُمْ مَعَ الْبَكاَءِ غَلِيلًا؟

كُلُّ مَنْ يَجْمَعُ الْهُمُومَ عَلَيْهِ     أَخَذَتْهُ الْهُمُومُ أَخْذًا وَبِيلًا

كُنْ هزارًا فِي عُشِّهِ يَتَغَنَّى    وَمَعْ الْكَبْلِ لَا يُبَالِي الْكُبُولَا

لَا غُرَابًا يُطاردُ الدُّودَ في الأرضِ وَبُومًا في اللَّيْلِ يَبْكِي الطُّلُولَا

كُنْ مَعَ الْفَجْرِ نَسْمَةً تُوسِعُ الأَزْهَارَ  شَمًّا وَتَارَةً تَقْبِيلَا

لَا سُمُومًا مِنَ السَّوافِي اللَّوَاتِي تَمْلَأ ُالأَرْضَ في الظَّلامِ عَوِيلَا

أَيُّهَذا الشّاكِي وَما بِكَ داءٌ      كُنْ جَميلًا ترَ الوجودَ جميلَا[5]

علمتنا -سيدي يا رسول الله- أن لا جمود على طريقة واحدة في الدعوة إلى الله، وأن الأخذ بزمام المبادرة هو المخرج من أعتى الأزمات.

علمتنا -سيدي يا رسول الله- المرونة، فلا نجمد عند موقف بعينه، أو مرحلة زمنية بذاتها، فما أبأس الحياة حين يجمد فكر الإنسان فيها على وضع بعينه، وأساليب محدودة معدودة! فإما قفزة للإمام بخطوات سباقة وأفكار جديدة متطورة، أو خطوة للوراء ريثما نلتقط الأنفاس؛ ليكون لنا كرة من جديد، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ﴾[آل عمران:140]

إن النحيب على أطلال الماضي لن يعيده، ولن يمكننا من إصلاح ما فسد منه، وهو سمت العجزة الضعاف، أما شأن الأقوياء ذوي الجلد فتجاوزُ الماضي، واستئناف المسير للمستقبل، مسلحين بتجارب الماضي، مؤمنين بقضاء الله وقدره النافذ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ."[6]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] عنترة بن شداد ديوان شعره  المكتبة الشاملة صـــــــــــــــــــــــ: 211

[2]  فقه السيرة - الشيخ محمد الغزالي  - دار القلم – دمشق – صــــــــــــ: 275

[3] المنهج الحركي للسيرة النبوية منير محمد الغضبان مكتبة المنار  الأردن الطبعة: السادسة، 1411 هـ - 1990 م جـ2 صـــ416

[4]  ينظر في السيرة النبوية لابن كثير مصطفى عبد الواحد دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت: 1395 هـ - 1976 م جــ3صـــ 535 المنهج الحركي للسيرة النبوية جـــــــــــــ3 صـــــ 119

[5]  ديوان إليا أبو ماضي دار العودة بيروت صــ605

[6] صحيح مسلم للإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي ط/ دار إحياء التراث العربي – بيروت  جـــــ4 صـــ 2052

آخر تعديل على الجمعة, 02 أبريل 2021 00:43

مجتمع ميديا

  • الأمن التونسي يتدخل لمنع مواجهات بين مؤيدي ومعارضي تجميد البرلمان

ملفات تفاعلية

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153