مجلة المجتمع - الساحرة المستديرة!

الساحرة المستديرة!

ربيع حفني الإثنين، 14 ديسمبر 2020 04:08

عجيب أمر تلك الساحرة المستديرة، لقد خلبت عقول ذوي النهى عن صوابها، فتركت الحليم حيران، وفعلت بجماهير أمتنا الأفاعيل، فثمة من جن جنونه من شدة الفرح لفوز فريقه، وثانٍ بات حزيناً لهزيمة ناديه، يكاد يقتله الهم لولا بقية من تصبر يُمني به النفس لعله يظفر بفوز قريب، وكلاهما أدمنها فأذهلته عن حياته يتابعها بشغف، يفني فيها عمره وماله، ولا يُرجى له منها شفاء.

ساحرة أصابت لغتنا العربية في مقتل، غيرت من دلالات ألفاظها، ووضعتها في غير موضعها، واستبدلت بالسياق مقاماً غير المقام، فكسب مباراة انتصار، ولاعبو كرة أضحوا أبطالاً وأساطير، منهم رأس الحربة، والمدافع، والمهاجم، والمقاتل الذي يقاتل على كل كرة، وانظر إلى ركل الكرة في الشباك كيف يُنعت؟ إنها يا سادة قذيفة صاروخية، وضربة قاضية، وطلقة مدوية، تسمع صداها في المدرجات، وعلى المقاهي، وفي البيوت، تعم أهازيجها وبلواها القرى والمدن والنجوع، والإنجاز ما هو إلا كأس تحرزه، أو دوري تفوز به، وأعتذر لك يا ابنة الضاد، فقد استعملتُ الأفعال: "فاز، وكسب، وأحرز، ودافع، وقاتل" في غير سياقها، ونزلت بها عن قدرها، ثم ماذا تبقى لكلمة الرياضة من معناها الجميل؟ فهي عند علماء السلوك: "تَهْذِيب الْأَخْلَاق النفسية بملازمة الْعِبَادَات، والتخلي عَن الشَّهَوَات، و"الرياضة الْبَدَنِيَّة" الْقيام بحركات خَاصَّة تكسب الْبدن قُوَّة ومرونة"(1)، ومادة "ر. و. ض" ترجع إلى أَصْلين: "أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى اتِّسَاعٍ، وَالْآخَرُ عَلَى تَلْيِينٍ وَتَسْهِيلٍ"(2)، ترى أين ذهبت سعة العقول؟ وكيف تبدلت ضيقاً وجموداً؟ هل ما زالت النفوس سمحة سهلة، تقبل الاختلاف، وتؤثر العفو على العقاب؟

صدق من سماك الساحرة، فالأخلاق بسببك في درك سحيق، ولم لا؟ وقد أُزكمت النفوس لأجلك بالعصبية المنتنة.. لم لا؟ وقد صُمت الآذان بأقبح السباب، وصار التنابز بالألقاب ديدن الآل والأصحاب.. وحدّث ولا حرج عن السخرية من الأشخاص، والهيئات، وعن العنصرية البغيضة بسبب اختلاف البلاد، والأجناس، والألوان، ويكأننا لسنا أمة القرآن الذي وضع لها دستور الأخلاق الرفيعة حيث قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏) (الحُجُرات: 11)، آه منك أيتها الساحرة المستديرة، لقد ملأت النفوس بالإحن والمشاحنات، فهل يصح بعد ذلك كله أن يجري على ألستنا تعبير "الروح الرياضية"؟ خبروني أين نلمس تلك الروح الآن؟

أيا شباب الأمة الغفير، يا من تستهينون بالكلمة، وتعدون ما يجري بينكم من ملاسنات من قبيل المزاح المباح، أنصتوا معي لذاك الموقف الفريد حيث: "عَيَّرَ أَبُو ذَرٍّ بِلَالًا بِأُمِّهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ، وَإِنَّ بِلَالًا أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ فَغَضِبَ، فَجَاءَ أَبُو ذَرٍّ وَلَمْ يَشْعُرْ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا أَعْرَضَكَ عَنِّي إِلَّا شَيْءٌ بَلَغَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "أَنْتَ الَّذِي تُعَيِّرُ بِلَالًا بِأُمِّهِ؟"، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ عَلَى مُحَمَّدٍ -أَوْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَحْلِفَ- مَا لِأَحَدٍ عَلَى أحد فَضْل إِلَّا بِعَمَلٍ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا كَطَفِّ الصَّاعِ"(3)، وفي رواية البخاري «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"(4)، فتأمل راعاك الله ماذا كان رد فعل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه مع أبي ذر: غضب غضباً شديداً.

أعرض عن أبي ذر، وهذا ما أحس به فتزلزل كيانه وراح يتساءل: مَا أَعْرَضَكَ عَنِّي إِلَّا شَيْءٌ بَلَغَكَ يَا رَسُولَ اللهِ.

استنكر صلوات الله وسلامه عليه صنيع أبي ذر بلهجة شديدة قائلاً: "أعيرته بأمه"؟!

وصف صلى الله عليه و سلم أبا ذر بقوله: "إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"، ويا له من وصف يهز كيان كل ذي قلب حي!

هذا السلوك الذي صدر من أبي ذر ليس مجرد معصية هينة، بدليل أن الإمام البخاري عنون للحديث بقوله: "باب المعاصي من أمرِ الجاهليَّة، ولا يُكَفَّرُ صاحبُها بارتكابِها إِلا بالشِّرك"(5).

أبعد ما سمعت هذا يا ابن الإسلام لا تزال مُصراً على المشاركة في حفلات السخرية من الآخرين!

إنها حقاً لساحرة مستديرة، وقد ارتدت بذوي الألباب إلى جهالة حمقاء عفى عليها الزمن، بيد أن جاهلية القرون الأولى كانت تهتف لقيس وتميم، أما اليوم فالهتاف للأندية والدول، للأهلي والزمالك، ومصر والجزائر من أجل مباراة كروية، لقد تداعى الأنصار والمهاجرون يوماً بدعوى العصبية لولا أن تداركهم الله برحمته، وقال لهم الرحمة المهداة صلوات ربي وسلامه عليه قولته الخالدة: "دعوها فإنها منتنة"، عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»(6).

رحم الله نهار بن توسعة بن أبى عتبان القائل:

أبى الإسلام لا أب لي سواه          إذا هتفوا ببكر أو تميم

دعيّ القوم ينصر مدّعيه               فيلحقه بذي النّسب الصّميم

وما كرم ولو شرفت جدود            ولكنّ التّقىّ هو الكريم(7)

في الجاهلية الأولى نشبت الحروب لأجل ناقة كناقة البسوس، واليوم معاركنا كروية، وساحتها المستطيل الأخضر، وفي المدرجات، وكثيراً ما يحتدم القتال فيسقط جرحى من الجانبين، وكم من لاعب أضاع هدفاً فضاعت حياته بالمقابل! والسبب المراهنات المستعرة أو هوس بعض الجماهير المتعصبة، قديماً تنافرت القبائل بالمواقع الحربية، وتكاثرت بالأموات والأحياء، وبهذا كله سارت الركبان، وأقيمت أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز، لتُنشد فيها قصائد فحول الشعراء، ويتبارى بها الخطباء، أما اليوم فالتفاخر يكون بعدد الكؤوس، والدوريات المحلية، والبطولات القارية، والعالمية التي حصلت عليها، وتدور رحى تلك الحرب الإعلامية على الشاشات، وفي الصحف، والمجلات، وبمواقع التواصل الاجتماعي، ويوقد نار تلك الحرب الشعواء من يطلق عليهم محللون وخبراء.

إنها لساحرة حقاً، رفعت أناساً موهبتهم في أقدامهم، فيتقاضون الملايين المملينة، وها هم ملء السمع والبصر، تقضى حوائجهم بطرفة عين، ويسعى في مرضاتهم أولو الأمر والنهي! وعلى النقيض يعيش على الكفاف ذوو العقول الفذة، والمواهب العبقرية في العلوم والآداب والفنون، وأرباب المهن والصناعات الخطيرة، حقيق بنا يا شباب الجيل الواعد أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، ونزن الأشياء بميزان الشرع الحنيف، نعظم ما عظم الله، ونصغر ما صغر الله، إن الكرة في المبتدأ والمنتهى ما هي إلا وسيلة ترفيهه تدخل في دائرة المباحات، فلماذا جعلتموها باباً يفضي إلى المحرمات؟ عليها واليتم وخاصمتم، وبها رفعتم وخفضتم، استقيموا يرحمكم الله.

أولى بكم شباب أمتنا الحبيبة أن تتحلوا بتلك السداسية، وتراجعوا موقفكم منها، فتسعدوا وتسلموا، قال ذو النُّونِ: "ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الْمُرَاقَبَةِ: إِيثَارُ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَتَعْظِيمُ مَا عَظَّمَ اللهُ، وَتَصْغِيرُ مَا صَغَّرَ اللهُ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الِاعْتِزَازِ بِاللهِ: التَّكَاثُرُ بِالْحِكْمَةِ وَلَيْسَ بِالْعَشِيرَةِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِاللهِ وَلَيْسَ بِالْمَخْلُوقِينَ، وَالتَّذَلُّلِ لِأَهْلِ الدِّينِ فِي اللهِ وَلَيْسَ لِأَبْنَاءِ الدُّنْيَا"(8).

 

__________________________

(1) المعجم الوسيط (1/ 382).

(2) مقاييس اللغة (2/ 459).

(3) شعب الإيمان (7/ 131).

(4) صحيح البخاري (1/ 15).

(5) صحيح البخاري (1/ 15).

(6) صحيح البخاري (6/ 154).

(7) الشعر والشعراء (1/ 528).

(8) شعب الإيمان (3/ 183).

آخر تعديل على الإثنين, 14 ديسمبر 2020 16:24

مجتمع ميديا

  • الأمن التونسي يتدخل لمنع مواجهات بين مؤيدي ومعارضي تجميد البرلمان

ملفات تفاعلية

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153