مجلة المجتمع - وقفات على طريق الدعوة بأفريقيا
طباعة

وقفات على طريق الدعوة بأفريقيا

يوسف ريحان (*) السبت، 24 أكتوبر 2020 09:57
  • عدد المشاهدات 1436

- العمل الدعوي يحتاج كل فترة إلى بعض التجديد في وسائله وآلياته بما يخلق تفاعلاً أفضل

- د. السميط قدم للدعوة والمجال الإنساني ما عجزت عنه مؤسسات بأكملها في قارة ذات تحديات كبيرة

- السياحة باب من أبواب المعرفة والتفكر في مخلوقات الله سبحانه ومعرفة الشعوب

 

لم يكن العرب بمقطوعي الصلة عن أفريقيا القارة السمراء منذ ما قبل الإسلام، فبحكم الموقع الجغرافي للحجاز واليمن في جزئهما الغربي المفتوح على سواحل البحر الأحمر تهيأت فرص الانتقال والتواصل بين شعوبهما منذ أوقات مبكرة من عمر التاريخ، بلغت ذروتها حسب اعتقاد البعض ما بين 1500 - 300 ق. م في عهد دولتي معين، وسبأ، اللتين حمل فيهما المعينيون والسبئيون لواء التجارة في البحر الأحمر، وبذات القدر اتصل العرب بأفريقيا من امتداد الساحل الشرقي الموازي للمحيط الهندي، حيث يعتقد بعض المؤرخين أن بدايات الهجرة العربية إليها كانت عقب انهيار سد مأرب، حيث دفع هذا الحدث بهجرة العرب نحو الساحل الشرقي لأفريقيا الذي شهد نفوذاً عُمانياً قديماً من مقديشو في الصومال إلى لامو ومومباسا في كينيا حتى تنزانيا، كما امتد هذا الاتصال من الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط من شمال أفريقيا إلى عمق القارة جنوب الصحراء.

ولقد عزز الإسلام من هذه الصلات والروابط القديمة، وفتح علاقات جديدة لم تكن الدعوة إلى الإسلام وحدها حصراً لتعزيزها، إنما امتدت لمنافع أخرى منها التجارة والروابط الاجتماعية التي نقلت قيم الإسلام وفكرته، وامتزجت مع العادات والتقاليد الأفريقية، فتممت مكارمها وصححت انحرافاتها وفتحت شغاف قلوب جديدة دخلت في دين الله أفواجاً.

إن جهود المنظمات الإسلامية العاملة في أفريقيا مشهودة تساهم فيها الحكومات والمنظمات والجمعيات والخيرين وأصحاب المبادرات الفردية المهتمين بهذا النشاط الدعوي المهم الذي لم يقتصر دوره فقط على الدعوة، إنما تجاوزها لمجالات إنسانية أخرى؛ كخدمات توفير المياه، وإقامة المنشآت الصحية والتعليمية، والتزويد بالمعينات الإغاثية التي يستفيد من خدماتها الجميع بغض النظر عن أديانهم أو عرقياتهم المختلفة، ولا يمكننا أن نأتي على ذكر الدعوة في أفريقيا دون أن نذكر بالخير رجل الدعوة وأبا الإنسانية الذي شرف بلده الكويت وتشرفت به القارة السمراء الراحل د. عبدالرحمن السميط الذي قدم للدعوة والمجال الإنساني الكثير في قارة ذات تحديات كبيرة، ولكنها كانت أقل من عزيمته التي لانت أمامها الصعاب وحققت للعمل الدعوي والإنساني بمجهوداته الخاصة ما عجزت عنه مؤسسات بأكملها.

إلا أن العمل الدعوي يحتاج كل فترة إلى بعض التجديد في وسائله وآلياته فيما يخص الخيرين الداعمين له أو الراغبين لخدمة الدعوة بما يخلق تفاعلاً أفضلاً بينهم والشعوب الأفريقية المستهدفة، نذكر منها على سبيل المثال:

السياحة:

إن السياحة باب من أبواب المعرفة والتفكر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى ومعرفة الشعوب؛ عاداتها، تقاليدها، ثقافتها وإمكانياتها الطبيعية والبشرية مصداقاً لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) ا(لملك: 15)، وقوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) (الروم: 9)، ومما لا شك فيه أن المشي والسير في أرض الله الواسعة يؤدي إلى المعرفة ويزيل الجهل ويشكل فكرة غاية في الأهمية لمعرفة الطرق الصحيحة للدعوة وما هي أقربها لفتح القلوب، ذلك أن السياحة تخلق الألفة بين السائح وأهل البلد، وتزداد هذه الألفة كلما تكررت الزيارات متى ما أصبحت أفريقيا وجهة مهمة في جدول سفريات العرب، وعلى الرغم من تعدد سفريات أهل الخليج في إجازاتهم أو مهماتهم العامة أو الخاصة إلى كافة أرجاء المعمورة، فإن السائح منهم يستطيع أن يعدد لك عشرات السفريات إلى وجهات متعددة دون أن يكون من بينها رحلة واحدة إلى أفريقيا، باستثناء مصر أو بعض الدول شمال القارة.

إن السياحة في أفريقيا تعطي فكرة عن مدى الصعوبات التي يواجهها الدعاة والعاملون في المنظمات الإسلامية متعددة الأغراض في بيئة ذات تحديات معقدة، قد تزيد من تفاعل الخيرين والمنفقين مع المشاريع التي يراد تنفيذها أو التي هي في طور الإنشاء ولم تكتمل بعد، من واقع تجربتهم الخاصة وإحاطتهم ببعض التفاصيل التي تتيحها لهم السياحة صوب دهاليز أفريقيا.

التطوع:

والذي يحتاج كما ذكرنا لابتكار وسائل جديدة لا تقتصر فقط على تمويل العمل الخيري من على البعد، إنما من الضروري مع التمويل اقتطاع جزء من الوقت للتطوع لاكتساب الخبرة في هذا المجال الحيوي المهم، ويكون من الضروري كذلك دعوة قطاعات من الطلاب والشباب العربي في كل بلد للتطوع في المنظمات العاملة هناك أو إنشاء مبادرات جديدة يقوم بها أفراد أو مجموعات للعمل بشكل مستقل أو مشترك معها، فاحتياجات القارة كبيرة وتستوعب أي مبادرات جديدة في العمل الخيري، فكثير من المنظمات العاملة تشكو من ضعف التمويل الذي يمكنها من تغطية كافة النشاطات المستهدفة.

إنشاء الأعمال الصغيرة:

كان للتجار في أفريقيا دور كبير في نشر الدعوة الإسلامية يفوق حتى الأدوار الرسمية أو الأخرى التي تنشط فيها المنظمات، وأغلب هؤلاء التجار لم يكن يعرف من تعاليم الإسلام الكثير، إنما بالمعاملة الحسنة وباليد التي امتدت بالعطاء للكثير من سكان أفريقيا مما كان لها الأثر في القلوب الموصدة التي اهتدت طوعاً إلى الإسلام.

إن في القارة الكثير من الفرص لإنشاء الأعمال الصغيرة في مجال الاستثمار أو الصناعة أو التجارة يمكن القيام به، وليس من الضروري أن تكون هذه الأعمال بغرض الربح؛ بل بغرض ربط منشئ هذه الأعمال بالقارة، بالإضافة إلى أنها يمكن أن تتيح بعض فرص العمل لبعض العمال من المسلمين الذين يعيش أغلبهم في أوضاع اقتصادية مزرية.

الدراسة:

توجد في أفريقيا فرص متعددة للدراسة في شتى المجالات في جامعات أو معاهد متخصصة معترف بها وذات تصنيف متقدم على مستوى أفريقيا والعالم ولا تقل عن نظيراتها العربية، بل تتقدم عليها في بعض الأحيان، كبعض الجامعات في جنوب أفريقيا وأوغندا وتنزانيا وكينيا، وهنالك خيارات للدارس حسب درجته ورغبته والدرجة الدراسية المراد تحقيقها ابتداء من الدبلوم إلى البكالوريوس أو الدراسات فوق الجامعية، وإن من المجالات المهمة التي تلاقي إقبالاً لدى الطلاب العرب هو تعلم اللغة الإنجليزية حيث تتوفر في بلدان عديدة من القارة معاهد متخصصة تقدم كورسات قوية وعلى درجة عالية من الاحترافية ولا تقل عن المعايير المتبعة في بعض دول أروبا وآسيا وبأسعار أقل.

لقد ترك التعليم بصمة لا يمحى أثرها في نفوس الطلاب الأفارقة الذين درسوا في الأزهر الشريف في مصر أو بجامعات المملكة العربية السعودية أو جامعة أفريقيا العالمية بالسودان أو بالمنح الدراسية التي توفرها العديد من الدول العربية، ولقد حان الوقت ليقوم الطلاب العرب بالعكس.

إن الدور الذي يمكن أن تؤديه البعثات الطلابية قصيرة أو طويلة الأجل للطلاب العرب في أفريقيا كبير، وهو يخلق تجربة ثرية ستزيل الكثير من الصور النمطية الراسخة في الذهنية العربية البعيدة عن أفريقيا، التي تنظر إليها كقارة متخلفة غير آمنة تكثر فيها الأمراض، في الوقت الذي حققت فيه الكثير من دولها درجات متقدمة في التنمية.

المنصات التفاعلية:

وهي من الوسائل المهمة خاصة في زمن جائحة كورونا (كوفيد-19) التي فرضت إغلاقاً قسرياً على العالم، وفرضت في المقابل أدوات جديدة للتفاعل الافتراضي عبر المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي التي يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في التواصل المستهدف مع الشعوب الأفريقية بإنشاء الصداقات وعكس نشاط تلك المنظمات حتى يستجيب لندائها ويحاط علماً بنشاطها الخيرين مما يحفز أكثر على التفاعل مع نشاطاتها المتعددة.

إن الوسائل المذكورة أعلاه ليست حصراً فقط لإحداث تفاعل أكثر إيجابية من مجرد دعم عيني للعمل الخيري إذا توفرت القدرة على فعل المزيد، خاصة أن وسائل الدعوة تختلف باختلاف حال المستهدف بها، فقد يتوفر المال لدعم فقير أو محتاج في الوقت الذي لا يحتاجه الغني، في الوقت الذي يحتاج فيه المتعلم لفرصة عمل، في الوقت الذي يحتاج فيه البعض لدعم نفسي لمواجهة بعض المشكلات الحياتية أو الاجتماعية، في الوقت الذي يحتاج فيه العمال لمعاملة حسنة تعكس روح الإسلام، وذلك لا يتأتى بدون تجربة تتشكل من خلال معايشة تلك الشعوب في أراضيها وبيئاتها ذات الثراء غير المحدود بثقافاتها المتنوعة و مواردها الطبيعية الذاخرة.

 

_________________________________

(*) كاتب متخصص في مجال المياه – السودان.

آخر تعديل على السبت, 24 أكتوبر 2020 13:45