مجلة المجتمع - عبدالرحمان بن قاسم العتقي

العبر والفوائد التربوية من «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» طبقات المالكية
عبدالرحمان بن قاسم العتقي

الأربعاء، 03 مارس 2021 01:24

قال أبو عمر الكندي في كتابه «أعيان موالي مصر»: كنيته أبوعبدالله، وهو عبدالرحمان(1) بن القاسم بن خالد بن جنادة، كذا ضبطه الدار قطني والأمير.

قال ابن وضاح: وأصله من الشام من فلسطين من مدينة الرملة، وسكن مصر.

وروى عن الليث، وعبدالعزيز بن الماجشون، ومسلم بن خالد الزنجي، وبكر بن مضر، وابن الدراوردي، وابن زبيد، وابن أبي حازم، وسعد، وعبدالرحيم، وعثمان بن الحكم، وغير واحد.

روى عنه أصبغ، وسحنون، وعيسى بن دينار، والحارث بن مسكين، وعيسى بن تليد، ويحيى بن يحيى الأندلسي..

ثناء الأجلاء عليه:

قال الكندي: ذكر ابن القاسم لمالك فقال: عافاه الله، مثله كمثل جراب مملوء مسكاً.

وقال الدارقطني: ابن القاسم صاحب مالك، من كبراء المصريين وفقهائهم.

قال أبو عمر بن عبدالبر: كان قد غلب عليه الرأي، وكان رجلاً صالحاً مقلاً صابراً، وروايته في «الموطأ» صحيحة، قليلة الخطأ، وكان فيما رواه عن مالك متقناً حسن الضبط، سئل مالك عنه وعن ابن وهب فقال: ابن وهب عالم، وابن القاسم فقيه.

ذكر ابتداء طلبه وسيرته في ذلك:

قال ابن وضاح: سمع ابن القاسم من المصريين والشاميين، وإنما طلب وهو كبير، ولم يخرج لمالك حتى سمع من المصريين، وأنفق في سفرته إلى مالك ألف مثقال.

قال ابن القاسم: كنت أسمع من مالك كل يوم غلساً إذا خرج من المسجد ثلاثة أحاديث، سوى ما أسمع مع الناس بالنهار.

وفي رواية كنت آتي مالكاً غلساً فأسأله عن مسألتين، ثلاثة، أربعة، وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراح صدر، فكنت آتي كل سحر، فتوسدت مرة عتبته، فغلبتني عيني فنمت، وخرج مالك إلى المسجد ولم أشعر به، فركضتني سوداء له برجلها، وقالت لي: إن مولاك قد خرج، ليس يغفل كما تغفل أنت، اليوم له تسع وأربعون سنة قلما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة.

ظنت السوداء أنه مولاه من كثرة اختلافه إليه.

وفي خبر آخر: أنخت بباب مالك سبع عشرة سنة، ما بعت فيها ولا اشتريت شيئاً.

قال: فبينما أنا عنده إذ قيل: أقبل حاج مصر، فإذا شاب متلثم دخل علينا فسلم على مالك، فقال: أفيكم ابن القاسم؟ فأشير إليَّ، فأقبل يقبّل عينيَّ، ووجدت منه ريحاً طيبة، فإذا هي رائحة الولد، وإذا هو ابني؛ وكان ترك أمه به حاملاً، وكانت ابنة عمه، وكان اسمه عبدالله، وكان خير أمه عند سفره لطول إقامته، فاختارت البقاء.

ذكر فضله وعبادته وزهده وورعه:

قال ابنه موسى: قال لنا أبي، وأمرنا بالصلاة والخير، كنت وأنا ابن ثماني عشرة سنة، أختم في كل يوم -أحسبه قال وليلة- القرآن.

قال الحارث بن مسكين: سمعت ابن القاسم يقول: اللهم امنع الدنيا مني وامنعني منها، بما منعت به صالحي عبادك، فكان في الورع والزهد شيئاً عجيباً.

قال سحنون: كان مالك معلم ابن القاسم في العلم، وكان معلمه في العبادة سليمان بن القاسم.

وقال ابن القاسم: رجلان أقتدي بهما في ديني، سليمان في الورع، ومالك في العلم.

وقال ابن وهب حين مات ابن القاسم: كان أخي وصاحبي في هذا المسجد منذ أربعين سنة، ما رحت رواحاً ولا غدوت غدواً قط إلى هذا المسجد إلا وجدته سبقني إليه.

وفاته:

قال ابن سحنون وغيره: كانت وفاة ابن القاسم بمصر ليلة الجمعة لتسع خلون من صفر سنة إحدى وتسعين ومائة، بعد قدومه من مكة بثلاثة أيام، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين(2).

العبر والفوائد الإيمانية والتربوية:

- طلب العلم بصدق يورث أجمل الصفات وأروع الخلال كالزهد والورع والشجاعة والسخاء.

- انغماس سلفنا بطلب العلم سنوات حتى تضع زوجاتهم وتكبر وتشب أولادهم.

- الانشغال بطلب العلم في جميع الأوقات؛ في الغلس والسحر والليل والنهار ورّث للأمة علماء تفاخر بهم مدى الدهر والأيام.

- العالم الصادق يحذر الدنيا ويتعوذ بالله من فتنتها.

- ملازمة المسجد والعبادة والتقرب إلى الله تعالى تثبت بركة العلم والتحصيل.

- ختمات القرآن وتعاهد تلاوته زاد العالم وغذاء طالب العلم.

- إنصاف العلماء والمحدّثين بعضهم لبعض دليل على سلامة وصدق قلوبهم ورقي ودماثة أخلاقهم وطيب ورقة نفوسهم.

- صناعة القدوات وإعداد النماذج ضرورة تربوية ونهضوية للجيل.

والحمد لله رب العالمين.

 

 

______________________________

(1) كُتبت «عبدالرحمان» كما في المطبوع.

(2) ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تأليف: القاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي، المتوفى سنة 544هـ، الجزء الثالث، تحقيق: عبدالقادر الصّحراوي.

آخر تعديل على الأربعاء, 03 مارس 2021 13:50

مجتمع ميديا

  • كيف مكّن دحوُ الأرض البشرَ من الصعود إلى الفضاء؟

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153