هيبة المنطق | أ. برجس العجمي

هيبة المنطق | أ. برجس العجمي

8 مشاهدة

30 يناير 2026

هيبة المنطق

أورد الإمام بن عساكر في تاريخ دمشق أنه في أيام هشام بن عبد الملك أصابت البادية سنة قحط فقدمت عليه غفوذغفوذ العرب وكان فيهم غلام لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره فوقعت عليه عين هشام فاستصار وقال لحاجبهشاء أحد يدخل علي إلا دخل حتى الصبيان فوثب الغلام بجرأة ووقف بين يديه مطرقا ثم قال يا أمير المؤمنين إن للكلام نشر وطي وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره فإن أذن لي أمير المؤمنين أن أنشره نشرته فأعجبه كلامه وحسن منطقه وقال له أنشره لله ذرك فقال الغلام بلسان فصيح يا أمير المؤمنين أصابتنا سنون ثلاث سنة أذابت الشحم وسنة أكلت اللحم وسنة دقت العظم وفي أيديكم فضول مال فإن كانت هذه الفضول لله ففرقوها على عباده وإن كانت لهم فعلى ما تحبسونها عنهم وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين فأعجب هشام بحجته الدامغة وقال ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذراء ثم أمر للبوادي بمئة ألف دينار وأمر للغلام بجائزة فكان سببا في نجاة قومه بفصاحته وجرأته في الحم لا يقاس الرجال بكبر سنهم ولا بجودة ثيابهم بل بجرأة قلوبهم وفصاحة ألسنتهم عند الشدائد فالهيبة تصنع بالحق والمنطق لا بالمظاهر وقد علمتنا القصة فنا راقيا في المطالبة بالحقوق إذ أثبتت أن الحجة الدامغة والأسلوب المهذب أشد وقعا من الصراخ وفي المقابل قدم لنا الخليفة هشام درسا عظيما في الإنصاف وساعة الصدر فلم تأخذه العزة بالإثم ولم يغضب لجرأة الغلام بل تواضع للحق وأجزل العطاء معلما إيانا أن التواضع للحق رفعة وأن الحكمة نور يستضاء به ولو خرج من مشكاة غلام صغير


الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة