«زيرو انتحار».. لماذا الكويت هي الملاذ الآمن للمرأة المطلقة؟

أسامة صبرة

20 أبريل 2026

91

في لحظة ما من التاريخ الاجتماعي العربي، لم يعد خبر الانتحار مجرد حادث فردي صادم، بل تحول إلى مؤشر على اختلال أعمق في البنية القانونية والاجتماعية والنفسية معاً.

وفي الوقت الذي تعيش فيه المنطقة على وقع التصعيد بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» من جهة، وإيران من جهة أخرى، يظل لافتاً أن هذا الاضطراب الخارجي لم يُربك المنظومة الداخلية في الكويت، بل على العكس، دفعت حالة التوتر الإقليمي السلطات القضائية والتنفيذية إلى تعزيز أدوات الاستقرار الاجتماعي، وتسريع الإجراءات، وإعادة ضبط منظومة الأحوال الشخصية بما يضمن بقاء المطلقة الكويتية في وضع مادي ونفسي واجتماعي مستقر، حتى في ذروة العاصفة السياسية.

هذا التوازي بين الخارج المضطرب والداخل المستقر يطرح سؤالاً مركزياً: كيف يمكن لنموذج دولة أن يحوّل الاستقرار الاجتماعي إلى سياسة دائمة لا تتأثر بالعواصف المحيطة؟

هندسة الأمان الاجتماعي

الانتحار، وفق التحليل النفسي، ليس قراراً لحظياً، بل نتيجة مسار طويل من العجز المكتسب، وانسداد الأفق، وفقدان القدرة على التحكم في المستقبل، وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى مئات الآلاف من الوفيات سنوياً بسبب الانتحار، مع ارتفاع معدلات المحاولات بين النساء نتيجة تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والأسرية.

في الحالة العربية، يكشف كثير من الوقائع عن نمط متكرر؛ امرأة تُدفع إلى مواجهة ثلاث دوائر خانقة؛ الفقر، والنزاع على الأبناء، وبطء التقاضي، ومع الوقت، يتحول هذا الضغط إلى حالة من الانسداد النفسي الكامل، حيث يصبح المستقبل نفسه غير قابل للتصور.

في هذا السياق، يقول المستشار سامح العدوي، الخبير القانوني في قضايا الأحوال الشخصية لـ«المجتمع»: حين نتناول قضايا ما بعد الطلاق، فنحن لا نتحدث عن نزاع قانوني فحسب، بل عن إعادة تشكيل حياة كاملة تحت ضغط الزمن والإجراءات.

المشكلة ليست فقط في وجود القوانين، بل في الفجوة الزمنية بين صدور الحكم وتنفيذه، هذه الفجوة أخطر ما يمكن أن تواجهه المرأة بعد الطلاق، لأنها تتحول إلى مساحة مفتوحة للقلق والانتظار والضغط النفسي المستمر، عندما تنتظر المرأة نفقة قد تتأخر سنوات، أو حضانة تظل معلقة بين درجات التقاضي، فإنها لا تواجه مجرد تأخير إداري، بل تواجه شعوراً بأن النظام القانوني نفسه غير قادر على حمايتها.

هذا الإحساس بالعجز أحد أخطر المحركات النفسية التي قد تدفع الإنسان إلى الانهيار، وكلما كانت الدولة أكثر سرعة في التنفيذ؛ تقلصت احتمالات الوصول إلى هذه اللحظة.

وفي المقابل، يتعامل النموذج الكويتي مع هذه الإشكالية من جذورها، عبر تحويل الحماية إلى منظومة مؤسسية تمنع تراكم الأسباب التي تقود إلى الانهيار.

التحول التشريعي في الكويت

تشهد الكويت حالياً واحدة من أوسع عمليات إعادة صياغة قانون الأحوال الشخصية في تاريخها الحديث، بعد أكثر من 4 عقود على صدور القانون السابق، المشروع الجديد لا يقتصر على تعديلات جزئية، بل يعيد بناء المنظومة من أساسها؛ تعديل 134 مادة، والإبقاء على 194 مادة، وإضافة 38 مادة جديدة، ليصبح الإطار القانوني مكوناً من 336 مادة.

هذا التحول لم يبق داخل أروقة اللجان، بل خرج إلى المجال العام، حيث تحوّل إلى نقاش اجتماعي واسع يتقاطع فيه القانوني بالديني والاجتماعي والحقوقي.

وتشمل التعديلات قضايا متعددة، مثل الحضانة، والنفقة، وسن الزواج، وإثبات الضرر، وفحوص الحمض النووي في قضايا النسب، إلى جانب تحديثات إجرائية مثل التوثيق الإلكتروني.

لكن جوهر النقاش لا يتعلق بالتفاصيل فقط، بل بفلسفة القانون نفسه؛ هل هو أداة لتنظيم العلاقات، أم وسيلة لبناء استقرار اجتماعي شامل؟

في هذا السياق، تقول الحقوقية د. نهى الشاذلي، الباحثة في قضايا المرأة والحماية الاجتماعية، في تصريح لـ«المجتمع»: إن المطلقة لا تعاني من الطلاق في حد ذاته بقدر ما تعاني من المرحلة التي تليه، حين تتحول حياتها إلى سلسلة من الضغوط غير المتوازنة؛ من نفقة غير مضمونة، وحضانة قد تتحول إلى وسيلة ضغط، ومجتمع قد ينظر إليها بعين الوصم.

والأخطر في هذه المرحلة ليس الفقد العاطفي، بل فقدان الإحساس بالأمان، والمرأة عندما تشعر أن القانون واضح، وأن حقوقها مصونة، وأن مستقبلها وأبناءها غير مهددين، فإنها تستعيد توازنها النفسي بشكل أسرع بكثير، نحن أمام علاقة مباشرة بين قوة التشريع وجودة الصحة النفسية، فالقانون ليس مجرد نصوص، بل رسالة يومية تقول للمواطن: أنت محمي.

أين تبدأ الأزمة الحقيقية؟

رغم أهمية التعديلات، فإن الإشكال الأساسي لا يكمن في النصوص وحدها، بل في آلية الصياغة والتنفيذ ووضوح التطبيق.

فبعض الملاحظات القانونية تشير إلى أن عدداً من المواد جاءت بصياغات مرنة أكثر من اللازم؛ ما قد يؤدي إلى تباين في التفسير القضائي، وفي المقابل، يرى آخرون أن هذا أمر طبيعي في أي عملية إصلاح واسعة.

قانونيون يذهبون إلى أن التعديل يعكس ضرورة اجتماعية فرضتها كثرة النزاعات الأسرية، لكنه يشدد على أن نجاح القانون لا يقاس بالنصوص، بل بسرعة تنفيذها وعدالة تطبيقها.

وفي هذا السياق، يقول عادل فؤاد، الباحث في التشريعات الأسرية، في تصريح لـ«المجتمع»: إن المشكلة الجوهرية في القوانين الأسرية ليست في وجود النصوص، بل في كيفية تحويلها إلى واقع فعلي، والنفقة إذا تأخرت تتحول من حق قانوني إلى أزمة معيشية يومية، والحضانة إذا ظلت محل نزاع طويل تتحول إلى مصدر استنزاف نفسي عميق، والفجوة بين الحكم والتنفيذ أخطر ما يواجه الأسر؛ لذلك، فإن قوة أي منظومة قانونية تقاس بقدرتها على تقليص هذه الفجوة إلى الحد الأدنى، لأن كل يوم تأخير هو يوم إضافي من الألم.

وتكشف المقارنة بين المآسي الفردية في بعض البيئات العربية والنموذج الكويتي عن اختلاف جذري في فلسفة الدولة تجاه الأسرة.

في نموذج، تتراكم المشكلات حتى تصل إلى لحظة الانفجار، وفي نموذج آخر، يتم التدخل مبكراً لمنع تراكم الأسباب من الأساس.

وهكذا، فإن «زيرو انتحار» ليس شعاراً كويتياً، بل نتيجة مباشرة لبنية قانونية واجتماعية ترى أن حماية الإنسان ليست رد فعل، بل سياسة دائمة تُمارس قبل وقوع الخطر، لا بعده.



اقرأ أيضاً:

الكويت وقانون الأسرة.. تعديلات وتحديات

قانون العنف الأسري.. مظلة حماية للأسرة الكويتية

الطلاق في الكويت.. دراسة تحليلية لأسبابها وتأثيراتها

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة