من المئذنة إلى التاريخ.. ناجي القزاز حارس النداء في القدس
في رحاب المسجد الأقصى، حيث تحفظ القدس أسماء محبيها جيداً، لا يعلو فوق المآذن صوت أذان عابر، بل
حكاية إرث ممتد عبر الزمن، هناك، حيث كان يقف الشيخ ناجي القزاز ويصدح بصوت عائلته
منذ 700 عام، وكأن الصوت ممتد لا يتغير منذ المؤذن الأول من العائلة إلى أن رحل
الشيخ ناجي.
فمنذ العهد
المملوكي، حين استقرّت تقاليد الأذان في أروقة «الأقصى»، حمل الأجداد هذا الشرف،
يورّثونه كما تُورّث الأرض والاسم، بل وأكثر، فقد كانوا يرون في كل نداءٍ رباطاً
يربطهم بالمكان المقدس.
وحين يعتلي
المؤذن ناجي القزاز مئذنة «الأقصى»، لا يقف وحده؛ يقف خلفه تاريخ طويل من الأصوات
التي تعاقبت، كلّها تردّد ذات الكلمات، لكن بقلوب خفقت عبر أزمنة مختلفة، وهو
امتداد لسلسلة لم تنقطع، صمدت في وجه الاحتلال وتغيّر العصور، وظلّ الأذان فيها
ثابتاً.
وفاة الشيخ ناجي القزاز
— المسجد الأقصى (@AqsaMosq) April 18, 2026
مؤذن المسجد الأقصى منذ عام 1978..
لا تنسوه من دعواتكم pic.twitter.com/3rUWx6oSGu
خيوط البداية الأولى
في مجلة «المجتمع»،
وبعد رحيل الشيخ القزاز، وقفنا على بداياته الأولى ننقب في تفاصيل الطريق الذي
خطاه، لنروي تاريخ رجل لم يكن سيرة فرد فقط، بل صفحة أصيلة من تاريخ عائلة مقدسية
كاملة، فعدنا إلى بداياته الأولى، لاستعادة ملامح طفولته وشبابه ومسيرته على مآذن
القدس.
في أزقّة البلدة
القديمة، وتحديداً في حيّ باب السلسلة الملاصق للمسجد الأقصى، نشأ الشيخ ناجي
القزاز وترعرع، حيث لم يكن «الأقصى» مجرّد مكان يجاوره، بل كان عالَماً كاملاً
يحيط بتفاصيل حياته من كل الجهات، في تلك البيئة الروحانية، كان يبدأ صباحه بطقس
خاص؛ يمشي في ساحات «الأقصى» مع خيوط الفجر الأولى منذ نعومة أظفاره، كما درس في
المدرسة العمرية القريبة، وكان طريقه إليها يمرّ عبر باحات «الأقصى»، فكبَّر وهو
يحمل في قلبه ألفة عميقة مع المسجد، حتى صار المشي في ساحاته عادة يومية.
كانت خيوط
الحكاية الأولى أن والده علَّمه منذ أن كان طفلاً على مخارج الحروف ونقاء الصوت
وهيبة النداء، كما يدرب الأطفال في عائلة القزاز على الروحانيات وقت الأذان ليكون
خارجاً من القلب قبل الحنجرة.
ومنذ صغره اعتاد
مرافقة جدّه عبدالسلام القزّاز إلى المئذنة، يتعلّق بخطواته ويتعلّم من صوته قبل
كلماته، حتى جاء ذلك اليوم الفارق؛ يوم كان الجدّ مثقلاً بوعكة الأنفلونزا، وصوته
غائباً على غير عادته، وعندها، وبشفع العائلة والوارث عرض أن يرفع الأذان مكانه.
لم يكن يدرك أنه
على وشك أن يخطو أولى خطواته في إرث يمتد لقرون، فصعد، ورفع أذان العصر، وفي
اللحظة التي صدح فيها صوته، تسلّلت رهبة عميقة إلى جسده، علقته بالمكان والفعل،
وحين انتهى، نزل مسرعاً، غارقاً في دهشة ما حدث، وعاد إلى منزله غير مصدّق أنه صار
جزءاً من هذا النداء العتيق، ومنذ ذلك اليوم، مضت 35 عاماً، وهو لا يزال يقف في
المكان ذاته، يرفع الأذان في «الأقصى»، كامتداد لصوت لم ينقطع منذ زمن طويل.
رحيل «صوت الأقصى»
رحل الشيخ ناجي السبت
8 أبريل 2026م، وحين نُعي لم يكن الخبر مجرّد إعلان رحيل عابر، بل وداع صوت ظلّ
لسنوات جزءاً من ذاكرة المسجد الأقصى، فلم ينعَ الناس رجلاً فقط، بل نَعَوا نداء
اعتادوا أن يستيقظوا عليه.
وانطلق موكب
التشييع من باحات المسجد الأقصى، حيث خيّم الصمت المهيب قبل أن تُقام صلاة الجنازة
على الجثمان الطاهر، في مشهد امتزج فيه الحزن بالخشوع، ثم سار المشيعون به حيث
ووري الثرى في إحدى مقابر المدينة، وسط حضور جمع بين الوداع والوجع، وفق ما وثقته
مقاطع مصوّرة تداولتها منصات فلسطينية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً