كيف نحوّل قلق الحروب إلى طمأنينة؟ 5 واجبات عملية
حين تندلع
الحروب، يبتلي الله عباده بالخوف والقلق، لكنه عز وجل لا يتركهم فريسة للخوف حتى
يصلوا إلى درجة الفزع والهلع، بل يحثهم على الانتقال من الخوف إلى الأمن ومن القلق
إلى الطمأنينة، وذلك من خلال التوجيهات والوسائل العملية.
قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ
مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ
وَالثَّمَرَاتِ) (البقرة: 155)، وفي مواجهة هذا الخوف جاءت التوجيه العملي
من خلال تبشير الصابرين بالجزاء الجميل، حيث قال عز وجل: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ
إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ
رَاجِعونَ {156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة).
فالخوف أو القلق
ليس مذموماً في ذاته؛ لأنه يعد استجابة فطرية للخطر الواقع أو المحتمل، لكنه قد
يُذَم إذا تحول إلى سخط وجزع وهلع؛ لذا فقد اهتمت الشريعة الإسلامية بإعادة تشكيل
مشاعر الخوف والقلق وتحويلها إلى أمن وطمأنينة، من خلال عدد من التوجيهات
والتشريعات.
1- ربط الأحداث بالقضاء والقدر:
ما من شيء يقع
في هذه الدنيا إلا بأمر الله تعالى، قال عز وجل: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي
أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) (الحديد: 22)،
وقال أيضاً: (مَا أَصَابَ مِنْ
مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن:
11)، ففي الآية الكريمة بيان أن كل ما يحدث إنما هو بإذن الله، ثم تلفت
الآية الأنظار إلى سبيل الطمأنينة والهداية، وهي في الإيمان بالله تعالى، حيث قال
عز وجل: (وَمَنْ يُؤْمِنْ
بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)، فلا هداية ولا طمأنينة إلا بالإيمان بالله
واليقين بقضائه وقدره.
لهذا يجب أن
يكون شعار المؤمن في أوقات الخوف والقلق: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) (التوبة: 51)،
بل إن وقوع هذه الابتلاءات لا يدفع المؤمن إلى التسليم بما قدره الله فقط؛ بل
يزيده إيماناً ويقيناً، قال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ
الْوَكِيلُ) (آل عمران: 173)، فالأخبار المفزعة لم تدفعهم إلى الخوف
والقلق؛ وإنما زادتهم إيماناً وتوكلاً على الله تعالى.
2- عدم الإفراط في متابعة مثيرات القلق:
الناظر في آية
تبشير الصابرين يجد أن الله تعالى دعا أهل الابتلاء إلى الصبر على البلاء والتحول
من الاسترسال في المصاعب والمخاوف إلى قولهم: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:
156)، فالمسلم لا يفرط في تتبع ما يخيفه ويقلقه، بل يتحول إلى ما يبشره
ويطمئنه.
لذلك، فإن
المسلم يتابع الأحداث، ويتعرف على الوقائع التي تحصل في العالم، لكنه لا يستهلك
الوقت كله في المتابعة والتحليل وتخيل المستقبل، حتى يجعل وقته كله في حالة
استنفار، إن هذا من شأنه أن يضيق صدره ويزيد من خوفه وفزعه، خاصة إذا فرّغ كل وقته
للأخبار التي تحتوي على شائعات غير سليمة، لذا يجب أن يوازن المسلم بين متابعة
الأحداث المهمة ثم الانتقال إلى الواجبات العملية الإيمانية.
3- المحافظة على العبادات:
لا ينبغي أن
يستسلم المسلم للأخبار وتحليلاتها، بل يتحرك نحو ربه تعالى، فيحافظ على صلاته
وصدقاته وأدعيته وأذكاره، لأن العبادة تهيئ القلب للسكينة والطمأنينة، حيث قال
تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ
قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)،
كما أوضح سبحانه أن السكينة لا تنزل إلا على المؤمنين، حيث قال عز وجل: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ
السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ
إِيمَانِهِمْ) (الفتح: 4).
4- تقديم الدعم الواجب:
يتحول القلق إلى
طمأنينة حين ينشغل المؤمن بما يجب عليه من الدعم النفسي والمادي لنفسه ومن حوله، أما
الدعم للنفس فيكون بحسن الظن بالله تعالى واليقين في فرجه ونصره للمؤمنين، وأما
الدعم للآخرين فيكون بالتثبيت ونقل ما يؤمن به إلى غيره، والقيام بما يستطيع من
الإغاثة والإعانة للمظلومين.
وقد ثبّت الله تعالى
عباده المؤمنين وجعل من واجبات الملائكة مهمة تثبيت المؤمنين، حيث قال عز وجل: (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى
وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ
اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {10} إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ
عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ
الأَقْدَامَ) (الأنفال).
5- التمسك بصحبة تصنع الأمل:
الصاحب يعين
صاحبه على ما هو فيه، فإذا كانت الصحبة متجهة إلى الخوف والقلق فإنها لا تزيد
أفرادها إلا فزعاً وهلعاً، أما الصحبة الصالحة فإنها تصنع الأمل وتطمئن القلب، ففي
رحلة الهجرة من مكة إلى المدينة، وحين وصل الكفار إلى باب الغار، قال أبوبكر رضي
الله عنه: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن
حوّل تفكيره وقلبه عن الاسترسال في هذا الأمر، بل دعاه إلى الأمل في نصر الله، وفي
هذا يقول تعالى: (إِلَّا
تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ
اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ
اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ
لَمْ تَرَوْهَا) (التوبة: 40).
اقرأ
أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً