قراءة في كتاب «الآثار والتراث المعماري للمساجد القديمة في الكويت»

جمال خطاب

21 أبريل 2026

103

المساجد في تاريخ الخليج العربي تمثل أكثر من مجرد دور للعبادة؛ فهي مراكز للحياة الاجتماعية، وشواهد حية على تطور الهوية البصرية والحضارية للمجتمع.

في هذا السياق، يأتي كتاب «الآثار والتراث المعماري للمساجد القديمة في الكويت» للباحث والكاتب بشار محمد خالد خليفوه، ليكون بمثابة وثيقة تاريخية وفنية بالغة الأهمية، وهذا الكتاب، الذي صدر برعاية ودعم من الأمانة العامة للأوقاف في دولة الكويت، لا يكتفي بسرد القصص التاريخية، بل يغوص في أعماق الهندسة والجمال ليقدم لنا صورة بانورامية لعمارة المساجد التي شكلت وجدان الكويت القديمة والحديثة.

رحلة في فلسفة البناء والهوية

سعى الباحث خليفوه من خلال هذا الكتاب إلى تحقيق غاية سامية تتجاوز مجرد التوثيق الأكاديمي، وهي صون الهوية الوطنية الكويتية، فالكتاب ينطلق من رؤية مفادها أن العمارة الإسلامية في الكويت المرآة التي تعكس الظروف البيئية والاجتماعية التي عاشها الأجداد في هذه البقعة، ومن هنا، يركز الكتاب على إبراز النمط المعماري المفقود، تلك الأنماط التي بدأت تتوارى خلف ناطحات السحاب الحديثة، لكنها لا تزال تنبض في الذاكرة الجماعية للشعب الكويتي.

التوعية بأهمية ما يسميه المؤلف «الإعلام الخيري والتراثي» هي أحد أبرز أهداف الكتاب، وهو مفهوم يربط بين العطاء الديني (الأوقاف)، والحفاظ على المنجز الإنساني والمعماري، لتعريف الأجيال الجديدة بالجذور التي قامت عليها نهضة الكويت الحالية، والتأكيد أن عمارة المساجد جزء لا يتجزأ من التراث العالمي الذي يستحق الدراسة والتقدير.

المسجد كقلب نابض للمجتمع

يتوسع الكتاب في فهم المسجد ليس ككتلة صماء، بل كفضاء نابض بالحياة، في الكويت، كان المسجد المركز الذي تدور حوله حياة أبناء الحي شيباً وشباباً رجالاً ونساء (الفرِيچ)، ومن خلال دراسة خليفوه، نستشف كيف صُممت المساجد لتلائم الوظائف الاجتماعية:

1- التعليم والكتاتيب: كانت باحات المساجد وأروقتها مكاناً لتعلم القرآن الكريم واللغة العربية الفصحى والحساب؛ ما جعل المسجد أول مؤسسة تعليمية في تاريخ دولة الكويت.

2- التكافل الاجتماعي: يسلط الكتاب الضوء على دور «الأوقاف» المرتبطة بهذه المساجد، وكيف كانت تخصص ريعها لإطعام المساكين وعابري السبيل؛ ما يعكس روح التعاون التي جُبل عليها أهل الكويت.

3- العلاقة بالبحر: نظراً لطبيعة الكويت كمدينة بحرية، يوضح الكتاب كيف كانت المساجد القريبة من «الفرضة» (الميناء) تمثل ملاذاً للبحارة والنواخذة، حيث تُقام الصلوات وتُعقد اللقاءات بعد رحلات الغوص الطويلة، مما ربط العمارة الدينية بالاقتصاد البحري الكويتي.

بين السياق التاريخي والتوثيق البصري

يتتبع الكتاب تطور عمارة المساجد منذ القرن الثامن عشر، موضحاً كيف تأثرت هذه العمارة بالتواصل التجاري مع الخارج، ففي المساجد نرى رصانة العمارة العثمانية، ونرى العمارة الهندية في الزخارف الخشبية، والعمارة الفارسية في بعض فنون القباب، هذا المزيج جعل من المسجد الكويتي وحدة فريدة تجمع بين المحلية والعالمية.

أما التوثيق البصري، فقد ازدان الكتاب برسومات الفنان أسعد بوناشي الدقيقة، التي أعادت إحياء ملامح مساجد قديمة لم تعد قائمة اليوم، هذه الرسومات منحت الكتاب صبغة فنية وجعلت منه مرجعاً بصرياً مهما للمهندسين المعماريين الباحثين عن استلهام تراث الأجداد في التصاميم المعاصرة.

نماذج من الذاكرة المعمارية.. تحليل مساجد بارزة

يفرد الكتاب مساحات لتحليل مساجد أصبحت أيقونات في تاريخ الكويت، ومنها:

1- مسجد السوق الكبير (المسجد القديم):

يُعد هذا المسجد أنموذجاً حياً لعمارة المساجد المرتبطة بالنشاط التجاري، يحلل خليفوه موقعه الإستراتيجي في قلب السوق، وكيف صُممت مداخلة لتكون منسجمة مع حركة التجار والمشترين، يتميز بساحته الفسيحة وأعمدته التي تعكس بساطة البناء الكويتي المتين، واستخدامه للمواد المحلية التي كانت تقاوم الرطوبة والحرارة العالية.

2- المسجد الكبير (من منظور تراثي):

رغم كونه صرحاً حديثاً نسبياً مقارنة بالمساجد الطينية القديمة، فإن الكتاب ينظر إليه كامتداد وتتويج للتراث المعماري الكويتي، يحلل الكتاب كيف استلهم المسجد الكبير عناصر العمارة الإسلامية التقليدية (مثل الأندلسية والفاطمية) ودمجها مع الهوية الكويتية، المئذنة الشاهقة والزخارف الهندسية المعقدة في السقف والقباب تُظهر كيف تطورت الحرفة المعمارية من البناء بالطين إلى استخدام أرقى أنواع الرخام والفسيفساء، مع الحفاظ على روح «الوحدانية والسمو» التي ميزت مساجد الرعيل الأول.

الأهمية الإستراتيجية والرؤية النقدية

تتجلى أهمية هذا الكتاب في كونه يسد ثغرة كبيرة في المكتبة التاريخية، فهو يوفر بيانات دقيقة للباحثين ويحمي الذاكرة المعمارية من النسيان، ومع ذلك، يطرح الكتاب تحدياً مهماً؛ وهو ضرورة التحديث المستمر للدراسات المعمارية مع كل عملية ترميم جديدة تقوم بها الدولة، لضمان دقة التوثيق.

كما يشير النقد إلى أن التركيز الفني والمعماري المكثف قد يطغى أحياناً على القصص الإنسانية خلف بناء كل مسجد، فالكثير من مساجد الكويت القديمة بُنيت بمبادرات شخصية من تجار وعائلات كويتية، ولكل بناء منها قصة وفاء وعطاء تستحق أن تروى جنباً إلى جنب مع وصف القباب والمآذن.

دعوة للحفاظ على الجذور

يُعد كتاب «الآثار والتراث المعماري للمساجد القديمة في الكويت» لبشار محمد خالد خليفوه عملاً رائداً يتجاوز كونه مجرد دراسة أكاديمية، إنه دعوة مفتوحة لكل مهتم بالتاريخ ليتأمل في تلك الجدران التي صمدت في وجه الزمن، وليفهم أن المسجد لم يكن مجرد بناء من حجر وطين، بل كان القلب النابض الذي شكل الهوية والثقافة الوطنية.

إن هذا العمل يذكرنا بأن الحفاظ على التراث ليس تمسكاً بالماضي فحسب، بل هو تأمين للمستقبل؛ فالمجتمع الذي يفهم جذوره المعمارية والجمالية يمتلك أساساً صلباً للانطلاق نحو الحداثة دون أن يفقد روحه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة