غزوة «بدر».. قراءة ملهمة في جمع المعلومات الرقمية

تتجدد مع رمضان ذكرى غزوة «بدر» -يوم الفرقان ويوم البطشة الكبرى- التي طالت أكبر معسكر للصناديد في تاريخ البشر، حيث أخذهم الغرور والاستخفاف بإمهال الله، فأذاقهم الله أكبر هزيمة وأكبر سخرية طالت عدو.

ومع قوة النصر الذي حققه المسلمون والمساندة الربانية بنزول الملائكة وقتالها، لكنّ النبي صلى الله عليه وسلم، قدّم لنا نموذجاً ملهماً في تقدير الخصم وعدم الاستخفاف به، مهما كانت نتائج النصر.

حكمة الهجرة ولقاء العدو

مثلّت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة نقلة نوعية في حياة المسلمين، وكان من إبداعاتها أن نشأ جيل جديد من القيادات والعناصر الشابّة، التي لم تعش أيام الاضطهاد في مكة ورؤية مرحلة الاستضعاف على يد صناديد قريش، ما مثل أمامها واقعاً دون عوائق أو استدعاء لرهبة الخصم بأثر رجعي.

ولعل مشهداً واحداً في ذروة المعركة يكشف لنا هذه الجرأة، التي كانت سبباً في إنهاء حياة أكبر طاغية ومعوق أمام المسلمين- أبي جهل- بنهاية فاقت كل التوقعات.

فقد روى الإمام أحمد، والشيخان، وغيرهما، عن عبدالرحمن بن عوف قال: إني لواقف في الصف يوم «بدر» فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما سراً من صاحبه فقال: أي عم، هل تعرف أبا جهل؟

قلت: نعم، فما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى بَرَد.

إن هذا المشهد ملهم في همة طلب الخصم، وعدم الخضوع لصناعة إعلام زائفة، تبددت مع أول ضربة من ضربات الحقيقة.

إن معرفة الخصوم وتقدير قدراتهم وملكاتهم النفسية والمادية من أكبر عوامل حصاد النصر.

وقد نبهنا صلى الله عليه وسلم إلى مسألة تقدير الخصوم وعدم الإزراء بهم، أو التقليل مما يمتلكوه من قوة أو حضور إعلامي أو كاريزمي.

فعندما عاد المسلمون بأول نصر لهم في «بدر»، ممدودين من السماء بالملائكة، استقبلتهم المدينة بالحفاوة والتبجيل، وهنا قال الصحابي سلمة بن سلامة: ما الذي تهنئوننا به؟ فو الله إن لقينا به إلا عجائز صلعاً كالبدن فنحرناها، فتبسم عليه السلام، ثم قال: يا ابن أخي، أولئك الملأ، لو رأيتهم لهِبْتَهم، ولو أمروك لأطعتَهم، وبئس القوم كانوا لنبيهم.

إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقلل هنا من قدرات خصمه حتى بعد هزيمتهم، لأنه كان يعرفهم حق المعرفة، وأنهم الملأ -السادة والأشراف الذين لا يعصى لهم أمر- فإذا كانت هذه حاله صلى الله عليه وسلم بعد المعركة وتحقيق النصر، فكيف كانت حاله وهو القائد الملهم قبل نشوب المعركة في تقدير خصمه؟!

غزوة «بدر» وتحليل المعلومات رقمياً

عندما أيقن النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع النفير، لم يكتف بظهور العدو ولقائه وجهاً لوجه في ساحة المعركة من دون مقدمات، بل ضرب أمثلة رائعة وملهمة للأمة في جمع المعلومات، خاصة فيما ما يتعلق بالمسح الميداني وتحركات العدو خطوة بخطوة.

1- وكان أولى هذه الخطوات أنه بعث قبل خروجه من المدينة بعشر ليال طلحة بن عبيدالله، وسعيد بن زيد، إلى طريق الشام، يتحسسان خبر العير، فنزلا على كثير بن مالك الجهني فأجارهما، وأنزلهما وكتم عليهما حتى مرّت العير، ثم قدما ليخبراه صلى الله عليه وسلم، فوجداه قد خرج في طلب العير.

وهذه الرواية في غاية الأهمية، فقد كانت أولى المعلومات، التي يريدها صلى الله عليه وسلم معرفة التحرك الحقيقي لخصومه، إذ كشفت الرواية نزولهما سراً ووجود دليل لهما يحميهما من أي مفاجآت طارئة.

ومع ذلك، فقد اختار صلى الله عليه وسلم أشخاصاً لهذه المهمة بعيدين عن الشك في طلب العير، منهم طلحة بن عبيدالله، وقد كان بزازاً؛ أي تاجراً للثياب، وهو في طريق الشام مظنة جلب الثياب والمواد الخام من أسواقها.

2- الخطوة الثانية أنه صلى الله عليه وسلم كان يحلل ويكتشف الأمر بنفسه ويقيسه وفق معلومات يقينية، فقد نزل قريباً من «بدر»، فركب هو وأبو بكر، حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أخبرتنا أخبرناك؟»، قال: أذاك بذاك؟ قال: «نعم»، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بكذا وكذا، للمكان الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي فيه قريش.

فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماء»، ثم انصرفا عنه، والشيخ يقول: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟

فالرواية السابقة كاشفة في تحليل تحركات ومسير جيش العدو، وفق معلومات يقينية منها تحديد مكانه صلى الله عليه وسلم بدقة ليتبين من إصابة موقع جيش العدو بدقة أيضاً.

3- وكانت الخطوة الثالثة في معرفة عدد جيش العدو، وهنا يأتي ذكاء النبي صلى الله عليه وسلم وتوظيف معطيات البيئة وتحليلها رقمياً، لإصابة كبد الحقيقة.

فعندما رجع صلى الله عليه وسلم من مهمته، بعث نفراً من أصحابه إلى ماء ببدر، يلتمسون الخبر له، فأصابوا رجلين لقريش يجلبان الماء فأتوا بهما، فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان (وأصحاب العير) فضربوهما.

فلما تحاملوا عليهما قالا: نحن لأبي سفيان (ونحن في العير) فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه ثم سلم وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا، والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش»، قالا: هم والله وراء هذا الكثيب.

فقال لهما صلى الله عليه وسلم: «كم ينحرون كل يوم؟»، قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً من الإبل، فقال صلى الله عليه وسلم: «القوم ما بين التسعمائة والألف».

إن الرواية السابقة ملهمة حقاً في التحليل الرقمي والوصول إلى كبد الحقيقة بتحليل الأرقام، التي وصلت إلى عدد وجبات الطعام التي يتناولها الخصم.

إن النصر في «بدر» لم يكن بهذه السهولة، وإن الملائكة نزلت وقاتلت، فكان النصر يسيراً وسهلاً، لكن هذا بعد استنفاد كافة الجهد البشري ومسح الميدان وجمع المعلومات وتحليلها، والتذلل إلى الله.

وهنا يأتي جمال القرآن لينبه إلى الترتيب الصحيح في الإعداد: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) (التحريم: 4) بعد أن يؤدي الرسول والمؤمنون دورهم على أكمل وجه يأتي دور الملائكة.



اقرأ أيضاً:

دور الأنصار في غزوة «بدر»

الباطل يخشى معاذاً ومعوذاً!

الحرب النفسية في غزوات النبي ﷺ

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة