علاقة قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بأفكار الحركات الأصولية اليهودية
يمثل مشروع قانون إعدام الأسرى
الفلسطينيين، الذي أقره الكنيست «الإسرائيلي» بشكل نهائي، انعكاسًا واضحاً لصعود
التيار اليهودي المتطرف في «إسرائيل» وحكومتها؛ فالقانون ليس مجرد إجراء أمني،
ولكن في خلفيته الأصولية أداة عقائدية تهدف إلى تطهير الأرض من منظور المتطرفين
اليهود، وتستخدم لفرض سيادة يهودية مطلقة على الضفة الغربية، مدفوعة بتمجيد
الانتقام.
وقف وراءه اليمين «الإسرائيلي» المتطرف،
خاصة حزب «الصهيونية الدينية» و«عوتسما يهوديت»، بقيادة إيتمار بن غفير، مستندين
إلى منظومة أفكار دينية أصولية تسعى لتحويل العقيدة الدينية إلى سياسة أمنية
وقضائية رسمية.
فقد وظفت حركات الصهيونية الدينية
المشاركة في حكومة بنيامين نتنياهو، مفاهيم توراتية أصولية متطرفة، القانون ضمن
مفاهيم من الشريعة اليهودية مثل: «الانتقام» و«العدو الوجودي (العماليق أو
الأغيار)» لتشديد العقوبات ودعم الإعدام كوسيلة ردع.
أفكار أصولية يهودية تُمجد الإعدام
وتتلخص أبرز أفكار الحركات الدينية
الأصولية اليهودية في خلفية هذا القانون في النقاط التالية:
1- عقيدة «الانتقام المقدس»: حيث تتبنى
هذه الحركات فكرة أن الانتقام من «الأغيار» (غير اليهود) الذين يقتلون اليهود واجب
ديني وعمل روحي أسمى يُكفّر عن بني إسرائيل ويُسرّع الخلاص اليهودي.
2- الكهانية والسيادة اليهودية: تشكل
أفكار الحاخام مائير كهانا، التي تدعو إلى الطرد أو القضاء على الفلسطينيين،
الأساس الأيديولوجي لبعض الوزراء الحاليين (مثل بن غفير)، حيث يعتبرون أن الانتقام
للرب يتطلب ضحايا غير يهود.
3- نزع الإنسانية وتبرير القتل: تستند
الحركات المتطرفة إلى تفسيرات توراتية متطرفة (مثل ما ورد في كتاب «توراة الملك»)،
تبيح قتل غير اليهود، بمن في ذلك النساء والأطفال، وتعتبر الأسرى الفلسطينيين أعداءً
يستحقون الموت وليسوا بشرًا لهم حقوق.
وفي أعقاب الانسحابات «الإسرائيلية» من
الأراضي الفلسطينية (مثل قطاع غزة 2005م)، تفككت الصهيونية الدينية التقليدية،
وصعدت تيارات حريدية دينية قومية وكهانية ترفض الديمقراطية الغربية وتتبنى فكراً
خلاصياً يرى في إبادة العدو خطوة ضرورية للوصول إلى مرحلة ظهور «المشياخ»، أو
المسيح اليهودي المنتظر من نسل نبي الله داود عليه السلام، وليس عيسى وفق الإسلام.
ويسعى هذا التيار إلى استبدال قوانين
تستمد شرعيتها من «الهالاخاه» (الشريعة اليهودية) بالقانون المدني/الدولي، في
التعامل مع «الأغيار»، وكل هذا يفسر كيف تحول قانون إعدام الأسرى في خلفيته
الأصولية من مجرد إجراء أمني إلى أداة عقائدية تُمجد الانتقام.
قصة الإعدام
بسبب إطلاق سراح أسرى بضغط من المقاومة
الفلسطينية حين تقوم بأسر جنود للاحتلال وتطلب استبدال أسرى في السجون يعانون من
أحكام تصل لمئات السنين، فكر أنصار التيار الديني الصهيوني في تشريع وتقنين
الإعدام ضد هؤلاء الأسرى.
لذا، فقانون عقوبة الإعدام على الأسرى
الفلسطينيين الذي سَنَّه الكنيست نتاج فكر ديني يهودي أصولي عنصري، وتأثر بها
وطورها لتصبح عقيدة راسخة على إثر تحولات فكرية في أوساط اليمين «الإسرائيلي»
الحاكم حاليًا.
وقد جرت في السنوات الماضية محاولات لسن
قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، ففي عام 2015م، أيدت أغلبية عظمى من أعضاء
الكنيست من أحزاب اليمين مشروع قانون إعدام بالقراءة التمهيدية.
وفي بداية عام 2018م، صادق الكنيست
بالقراءة التمهيدية أيضًا على مشروع قانون مشابه قدمه حزب «يسرائيل بيتينو» برئاسة
أفيغدور ليبرمان، الذي أيد القانون الحالي وفي كل مرة لم يكن يكتمل التصويت عليه
للمرة الثانية والثالثة.
لكن هذه المرة تمت إجازة قانون فرض عقوبة
الإعدام الحالي قدمه حزب «عوتسما يهوديت» برئاسة وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار
بن غفير، وأيده 62 عضو كنيست، من أحزاب الليكود وشاس و«عوتسما يهوديت» والصهيونية
الدينية و«يسرائيل بيتينو» وعضو كنيست واحد من «يهدوت هتوراة»، وبينهم رئيس
الحكومة نتنياهو، وعارضه 47 عضوًا.
والقانون الحالي متشدد أكثر من مشاريع
القوانين السابقة، فهو لا يسمح للقضاة بترجيح رأي، ولا يسمح بتخفيف عقوبة الإعدام
بعد صدور الحكم.
فكر متطرف مدمر
وأدت تطورات مختلفة داخل الحركة
الصهيونية الدينية، في السنوات الأخيرة إلى نشوء مجموعات متطرفة تعتنق أفكارًا
أصولية من التراث اليهودي، وترفض سلطة الدولة ومكانتها الرفيعة في العقيدة
الصهيونية الدينية في العقود الأخيرة.
وهذه المجموعات، المنتشرة في البؤر
الاستيطانية العشوائية في الضفة الغربية وخارجها، تعتنق نوعًا جديدًا من التدين
اليهودي، يتميز بأنه متعصب وقومي، ويتبني أعضاؤها الأساس التوراتي الذي استندت
الحركة الصهيونية إليه في علاقتها مع ما يُسمى «أرض إسرائيل».
وهذه المجموعات لا تؤمن بالدولة
«الإسرائيلية» كدولة علمانية وإنما يهودية خالصة تطبق الشريعة اليهودية وهويتها
توراتية صهيونية.
وبحسب تقرير تشره موقع «عرب 48» كانت
المرحلة الأولى لهذه الصهيونية حركة معتدلة سياسيًا، في صورة قادة حزب «المفدال»
الذي كان يمثل هذه الحركة داخل الحكومة وهؤلاء عارضوا شن حرب يونيو 1967م، وأيدوا
«تدويل القدس».
وبدأت المرحلة الثانية بعد تغير قيادة
الصهيونية الدينية وصعود قيادة جديدة، إلى جانب تأثير حرب 1967م، واحتلال الأراضي
الفلسطينية والعربية، وأدى هذا في بداية السبعينيات إلى صعود الجناح الديني
الخلاصي بقيادة الحاخام تسفي كوك، وتفسيره لأفكار والده، الحاخام أبراهام كوك،
التي اعتبرت أن المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية تعبير عن «مشيئة الرب» من
خلال سيطرة اليهود على «الأرض الموعودة».
ولاقت هذه الحركة شعبية واسعة، وتعهدت
بعدم انسحاب «إسرائيل» من الأراضي المحتلة لكن تأثيرها كحركة خلاصية بدأ يتراجع
بعد انسحاب «إسرائيل» من شبه جزيرة سيناء، في أعقاب معاهدة السلام مع مصر، وتراجع
أكثر بعد انسحاب «إسرائيل» من التجمعات السكانية الفلسطينية في الضفة الغربية، في
أعقاب اتفاقيات أوسلو، ثم من جنوب لبنان، وأخيرًا من قطاع غزة وهدم المستوطنات
هناك في إطار خطة فك الارتباط، في العام 2005م.
وتعد المرحلة الثالثة (الحالية) هي
الأخطر منذ العقد الأول من القرن الحالي، حيث تفكك تيار الصهيونية الدينية وانقسم
إلى ثلاثة أقسام: ليبرالية تقدمية، وحريدية قومية معادية لليبرالية، ومحافظة
وكهانية وحسيدية جديدة.
3 تيارات صهيونية جديدة
وبموجب التقسيم السابق، أصبح هناك 3
تيارات في الصهيونية الدينية الجديدة:
الأول: التيار الرسمي؛ ويشمل ييشيفوت
(معاهد تدريس توراة) عليا وييشيفوت يدرس فيها الذين سيخدمون في الجيش.
الثاني: التيار ما بعد الرسمي؛ ويضم
جمهورًا واسعًا في الصهيونية الدينية يميل إلى الحريدية القومية، وينتمي إليه وزير
المالية بتسلئيل سموتريتش، ومجموعات تنشط في اقتحامات المسجد الأقصى وصلاة اليهود
فيه.
ويتمسك هذا التيار بمفهوم أصولي يتميز
بتفسير حرفي للكتب المقدسة وبالرغبة بتطبيقها على الواقع الحالي مثل «خطة الحسم»
التي قدمها وزير المالية سموتريش التابع لهذا التيار الصهيوني، التي تقول: إنه ليس
أمام الفلسطينيين إلا 3 خيارات: الهجرة، أو صراع عنيف، أو الاستسلام والعيش كسكان
بلا حقوق.
الثالث: التيار المعادي للرسمية؛ ويضم
حزب «عوتسما يهوديت» بزعامة الوزير بن غفير وحركة «ليهافا» العنصرية وتنظيم «شبيبة
التلال» الذي يهاجم الفلسطينيين في الضفة ويحرق قراهم ومتاجرهم وزراعات الزيتون
ويسرق ماشيتهم.
وهذا التيار المعادي للرسمية، انبثق من
حركة «كاخ» التي أسسها الحاخام الفاشي مئير كهانا، ويريد هذا التيار إقامة دولة
إكراه ديني، انطلاقًا من أن ما كان سائدًا في فترة التوراة هو الذي يفترض أن يكون
سائدًا في أيامنا، ويتصرف بموجب عقيدة دينية في مركزها مبدأ الانتقام.
وتوجد أفكار مشتركة بين هذه المجموعات،
بينها تعظيم غريزة الانتقام وتفوق اليهود وتحويل «إسرائيل» إلى دولة دينية، وتشكل
هذه التيارات الثلاثة 10% من أتباع الصهيونية الدينية، و2% من اليهود في
«إسرائيل»، لكنها تحظى بتأييد في أوساط واسعة، وبضمنها أوساط علمانية وحريدية ومع
هذا نجحت في تمرير قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.
ولأن الانتقام فكرة وقيمة مركزية في
عقيدة «كهانا»، والهدف السيادة اليهودية، و«إسرائيل» قائمة على «الانتقام من
الأغيار»، و«قتل الأغيار تقرب من الرب»، فقد كان من الطبيعي أن يضغط هذا التيار
بقوة لتمرير قانون إعدام الأسرى.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً