عقيدة الخوف.. هل يُدار الشرق من بوابة الرعب؟

ليست كل الحروب تُخاض في الميدان، بعضها يُخاض في الوعي، والسؤال الذي يسبق صوت المدفع ليس: من سيقصف؟ بل من سيخاف أولًا؟

في القراءة السطحية، تبدو المواجهة الأمريكية-«الإسرائيلية» مع إيران صراع مصالح وأمن إقليمي، وتوازنات ردع، وحسابات قوة، وخرائط نفوذ.

لكن في القراءة الأعمق، نحن أمام فلسفة إدارة كاملة؛ إدارة المنطقة عبر إدامة الشعور بالخطر.

القراءة الأعمق لا تبدأ من الصاروخ، بل من الشعور الذي يسبق الصاروخ؛ شعور التهديد الوجودي.

حين تُبنى دولة على سردية نحن مهددون دائمًا، فإن الأمن لا يعود إجراءً مؤقتًا، بل يتحول إلى عقيدة.

وعندما تتحول العقيدة الأمنية إلى إطار ذهني شامل، تصبح كل حركة في الإقليم قابلة للتأويل باعتبارها خطرًا، وكل اختلاف سياسي مرشح لأن يُفهم كتمهيد لصدام.

القرآن أشار إلى الرعب في سياق سُنني أخلاقي، لا في سياق إدارة سياسية دائمة: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ) (الأنفال: 12)، فالرعب هنا نتيجة لاختيار أخلاقي مختل، لا وسيلة دائمة للسيطرة.

لكن في بعض الفلسفات الأمنية الحديثة، الرعب يُدار بوعي كامل، ويُستخدم كأداة ردع نفسية مستمرة.

المشكلة ليست في الردع ذاته؛ فكل دولة تحتاج أدوات ردع، وعندنا أمر إلهي بوجوب امتلاك هذا الردع؛ (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: 60)، لكن المشكلة حين يصبح الردع فلسفة هوية، وحين يُعاد تعريف الذات من خلال التهديد المحتمل.

في هذه الحالة، لا يعود العدو حدثًا عارضًا، بل ضرورة وجودية، تحتاجه السردية لكي تبرر استمرارها، وهذا ما يعيشه الكيان الصهيوني، ويريد فرض تبعاته على الإقليم.

السؤال الاستشرافي الذي يجب أن يُطرح بهدوء: هل يمكن لكيان سياسي أن يتحرر من حاجته النفسية إلى عدو دائم؟

إذا كانت الهوية مبنية على الحصار، فإن الحصار يصبح عنصرًا من عناصر الاستقرار الداخلي، وإذا كان المجتمع يُربى على فكرة «نحن مستهدفون دائمًا»، فإن الخوف يتحول إلى أداة تعبئة.

وهنا تبدأ دائرة مغلقة: الخوف يولد تسلحًا، والتسلح يولد توترًا، والتوتر يُنتج أدلة جديدة على صحة الخوف.

في السياق الإقليمي، هذه الدائرة لا تؤثر فقط على أطراف الصراع المباشرين، بل تُلقي بظلالها على المجتمعات كلها، وهذا أحد مستهدفات الصهاينة!

فحين يعيش الإقليم في مناخ إنذار دائم، تتأثر الأسرة، ويتأثر وعي الشباب، ويتغير خطاب الإعلام، ويتضخم الشعور بعدم اليقين، الأجيال الجديدة تنشأ في بيئة عنوانها التهديد المستمر، ومع الوقت، يتحول القلق إلى خلفية نفسية عامة.

وهذا ما يريده الصهاينة ليتمكنوا من إدارة الإقليم عبر سردية الرعب تلك.

المفارقة أن المجتمعات التي تعيش طويلًا تحت ضغط الخطر قد تكتسب مناعة، لكنها قد تفقد أيضًا قدرتها على التخطيط بعيد المدى، لأن التفكير الإستراتيجي يحتاج قدرًا من الطمأنينة، لا قدرًا من الهلع.

التاريخ يخبرنا أن المشاريع التي تُعرّف نفسها بالخوف تميل إلى تضخيم الأخطار، حتى لو كانت قابلة للاحتواء، والخوف حين يتضخم لا يظل أداة دفاع، بل يتحول إلى محرك قرار.

وهنا مكمن الإشكال، فالقرار الذي يصدر عن خوف مزمن لا يكون دائمًا قرارًا عقلانيًا باردًا، بل يكون قرارًا يحاول إثبات أن الخوف في محله.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح الآن ليس: من يمتلك ترسانة أكبر؟ بل أي مشروع سياسي قادر على إعادة تعريف أمنه بعيدًا عن عقيدة الخطر الأبدي؟

إذا استمر الشرق الأوسط عبر مؤسسات الحكم في دوله، متبعاً لسردية التخويف والإرعاب، ويُدار من خلال منطق التخويف الوقائي، فإن المنطقة ستبقى عالقة في موجات تصعيد متكررة، حتى لو لم تنفجر حرب شاملة، سيبقى التوتر هو القاعدة، والهدوء استثناءً مؤقتًا.

ولهذا، فإن الدول العربية وفي القلب منها الخليجية، ينبغي ألا تستسلم لهذه السردية، وتدرك أن محاولة فرضها عليها يستهدف مستقبلها، عبر إشعارها الدائم بالخطر، وجرها إلى مساحة الاستسلام والتنازلات المتوالية ظناً أنها الطريقة الوحيدة للنجاة من هذا الخطر.

والمفارقة أن أقوى أشكال الردع ليست دائمًا في عدد الصواريخ، بل في القدرة على كسر دائرة الخوف.

الكيانات التي تنجح تاريخيًا هي تلك التي تنتقل من عقلية نحن مهددون دائمًا إلى عقلية نحن قادرون على إدارة الأخطار دون أن نصبح أسرى لها.

وفي رأينا، أن الشرق كله اليوم يقف أمام سؤال مصيري: هل سيظل الرعب لغة إدارة؟ أم أن مرحلة جديدة يمكن أن تُبنى على مراجعة عميقة لفلسفة الأمن نفسها؟

السنن لا تجامل أحدًا، والمجتمعات التي تسمح للخوف أن يقودها طويلًا، تفقد قدرتها على رؤية البدائل، وحين تغيب البدائل، يصبح الاستسلام لصاحب سردية الرعب هو الطريق الأسهل، والطريق الأسهل ليس دائمًا الطريق الأذكى.



اقرأ أيضاً:

قراءة هادئة للعدوان الصهيوني على إيران

الحرب على إيران.. الأهداف والتداعيات والتوجهات

الحرب على إيران.. جولة عضّ الأصابع أم مرحلة كسر العظم؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة