خلفيات زيارة البابا إلى أفريقيا

قام بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، خلال الأسبوع الماضي، بجولة في القارة الأفريقية، بدأها من الجزائر ثم الكاميرون وأنغولا ثم غينيا الاستوائية، في أول رحلة له إلى القارة منذ انتخابه في مايو العام الماضي، وبحسب إعلام الفاتيكان، فإن جولة البابا جاءت بهدف حث العالم على تلبية احتياجات القارة الأفريقية التي يقيم بها أكثر من خُمس المسيحيين الكاثوليك، وفتح جسور التواصل مع العالم الإسلامي عبر الجزائر، والدعوة إلى التعايش والسلام.

غير أن برنامج زيارته للجزائر حمل رسائل عدة إلى العالم الإسلامي، فهذه أول زيارة يقوم بها بابا كاثوليكي لهذا البلد المسلم؛ الأمر الذي كان لافتاً، خاصة في ظل المحاولات التي يبذلها النظام الجزائري لتصحيح العلاقات مع فرنسا، المحتل السابق، التي يطلق عليها لقب «البنت البكر للكنيسة» لدورها التاريخي في الحروب الصليبية التي انطلقت من أرضها عام 1095م، كما أن الزيارة تأتي في وقت تتحدث فيه تقارير عدة عن تنامي التنصير في منطقة القبائل، وعن خطط للانفصال عن النظام الجزائري وإعلان دولة القبائل من فرنسا.

فقد صرح البابا لدى وصوله إلى العاصمة الجزائرية أن حلمه زيارة المنطقة التي عاش فيها القديس أوغسطينوس بين نهاية القرن الرابع ومنتصف القرن الخامس الميلاديين، الشخصية التي أثرت على اللاهوت المسيحي طيلة قرون، التي أعلن البابا أنه مرتبط بها روحياً، وهي بلدة عنابة، التي كانت تسمى هيبون في العهد الروماني الذي عاش فيه أوغسطينوس.

وفي العاصمة الجزائرية، أدى البابا والوفد المرافق له الصلاة في كنيسة حملت اسم النصارى التسعة عشر الذين قتلوا خلال العشرية السوداء في التسعينيات من القرن الماضي بين الإسلاميين والجيش الجزائري، كما صلى على الرهبان السبعة الذين قتلوا في قرية تيبحيرين قريباً من مدينة المدية عام 1996م.

ولا يخفي الكثير من المراقبين أن الهدف من زيارة البابا للجزائر، وجولته في 3 بلدان أفريقية، دعم المشروع التنصيري الذي تشرف عليه الكنيسة الكاثوليكية، فالدعوة إلى السلام والتعايش التي جعلها الفاتيكان شعار هذه الجولة دعوة موجهة أساساً إلى الأفارقة للتسامح مع المنصرين الكاثوليك الذين يجوبون القارة ويتعرضون في بعض البلدان الأفريقية ذات الغالبية المسلمة للمتابعة القضائية، كالجزائر التي قامت بإغلاق عدد من المراكز المسيحية في الفترات الأخيرة بعد ارتفاع الشكاوى من نشاط المنصرين، واعتقلت بعض النشطاء الذين طلب البابا من الدولة الجزائرية العفو عنهم.

ويشكو المسيحيون في الجزائر، وعددهم يزيد على مائة ألف، من أن الجزائر رغم اعترافها بحرية التدين في الدستور، فإنها تقوم بالتضييق عليهم بمنعهم من النشاطات التنصيرية.

وبحسب الفاتيكان نفسه، فإن عدد الكاثوليك في القارة الأفريقية زاد بأكثر من 8 ملايين بين عامي 2023 و2024م فقط؛ مفسراً ذلك بالنمو الديمغرافي، وبأن كل مولود يتم تعميده يعد نصرانياً، وتحتضن القارة 20% من الكاثوليك في العالم، لكن الفاتيكان يتوقع أن تصبح أفريقيا أكثر القارات كاثوليكية في العالم عام 2050م، بحيث تضم ثلث الكاثوليك الموزعين عبر العالم.

وتحتضن أفريقيا اليوم حوالي 30% من الإنجيليين في العالم، وعدد من المسؤولين الأفارقة يعتبرون أنفسهم إنجيليين، مثل رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد، ورئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي، ووليام روتو رئيس كينيا.

وتحتل أفريقيا موقعاً مركزياً في المشروع الجيوسياسي للفاتيكان منذ نهاية الستينيات عندما زار البابا بولس السادس عدداً من البلدان الأفريقية، ومنذ ذلك التاريخ توالت زيارات باباوات الفاتيكان للقارة، وحطم البابا جان بول الثاني الرقم القياسي في تلك الزيارات حيث قام بـ38 جولة في القارة خلال مدة رئاسته للفاتيكان بين عامي 1978 و2005م تاريخ وفاته، بل نظم مجمعاً كنسياً خاصاً بافريقيا لدعم النشاط التنصيري.

بيد أن الإسلام يظل رغم كل الجهود التنصيرية الأسرع انتشاراً في أفريقيا، وسجلت السنوات الماضية اعتناق عدد من النصارى الأفارقة للإسلام بعد التوجهات الجديدة للفاتيكان في عهد البابا السابق فرانسوا الذي اعترف بالشذوذ وزواج المثليين؛ الأمر الذي لا يتماشى مع التقاليد الأفريقية المحافظة.

وهذا ما دعا البابا ليو الرابع عشر في جولته الحالية إلى التأكيد على مطابقة الكاثوليكية مع الأعراف المحلية لإيجاد البيئة المناسبة لنشر المسيحية، وهو ما يطالب به بعض الكرادلة في الفاتيكان الذين يدعون إلى تقديم «تنازلات» في إفريقيا، والاعتراف بالتقاليد المحلية كتعدد الزوجات خلافاً لأوروبا، واحترام التقاليد الأسرية والعائلية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة