حكم التصرف في الأموال الموجهة للجمعيات والمؤسسات والأفراد

في هذا الشهر الفضيل رمضان، ومع انتشار ظاهرة إفطار الصائمين، وجبر كسر المعوزين، وسد خلة المحتاجين، وكسوة عيد الفقراء والمساكين، جاءني هذا السؤال من عدة جمعيات وأفراد، في حكم التصرف في هذه الأموال المتبرع بها لهم؟

هل لهم حرية التصرف فيها من جهة الاتفاق؟

هل يجوز استثمارها وتوزيع أرباحها؟

هل يشترط الالتزام بشرط الواهب أو الواقف أو المتبرع؟

هل السكوت وعدم التصريح، يعتبر إذناً عاماً؟

هذه وغيرها من الأسئلة الواقعية والمنطقية، تفرض نفسها في الممارسة الميدانية، والاحتياط للدين في مسائل المال من أخطر المزالق التي يدخل منها الشيطان وتضعف أمامها الأنفس.

ودائماً نكرر قاعدة الشيخ زروق في قواعده: «لا يجوز لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه» (القاعدة 81).

فالعلم يعرف الحلال من الحرام، هو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء وسلم. (جامع بيان العلم وفضله).

فلزم كل أحد تعلم علم حاله، حسب وسعه بوجه إجمالي يبرأه من الجهل بأصل حكمه إذ لا يلزمه تتبع مسائله، بل عند النازلة والحالة ما يتعلق بها، وما وراء ذلك من فروض الكفاية الذي يحمله من قام به، ولا تخلو الأرض من قائم لله بحجة فلا عذر في طلبه، فافهم.

ولما كان المال كذلك وجب التحرز والحذر من الوقوع في حبال الاستدراج.

فأقول وبالله التوفيق: يجب أن ينظر إلى هذا المال سواء كان نقداً أو عيناً أو عقاراً، أو أنعاماً، نية المانح هل هي على سبيل الزكاة، أم مطلق التبرعات؟

وعليه سوف نقسم المسألة إجمالاً، إلى مسلكين رئيسين:

الأول: إذا كان المال مال زكاة:

مال الزكاة الموجه للجمعيات، من أجل توزيعها، يحرم عليهم التصرف فيه، بشراء قفة غذاء أو كساء، وإنما يسلم له نقداً وهو أدرى بحاجته.

وهذا يجب أن يخضع لقانون مصاريف الزكاة الثمانية المحددة بالنص القرآني، في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 60).

وإذا كان المال موجهاً بهذه النية والتصريح وجب الالتزام بالأوصاف والأنصاف المذكورة في الآية.

ولهؤلاء الوكلاء عن المزكي في حالة عدم تحديد صنف من الأصناف، أن يوجه جزءاً منها إلى هذه الجمعيات أو المؤسسات لتغطية نفقاتها، تحت صنف «في سبيل الله» التي وسع العلماء دلالتها إلى كل أوجه البر والإحسان، من غير مصالح شخصية.

«شرط الواقف كنصّ الشارع»، وكما ثبت في الحديث: «المسلمون على شروطهم» (رواه أبو داود)، وأنا مع فتوى ألا يتجاوز استفادة هذه المؤسسات في حدود الثمن؛ لأن صنف «في سبيل الله» يمثل صنفاً من بين ثمانية أصناف.

وهذا حتى لا تضيع حقوق الأصناف السبعة الأخرى، والاتفاق فيها بحسب الأولويات.

الثاني: مطلق المال من غير مال الزكاة:

أما المال الذي يعطى على شكل تبرعات وصدقات والهبات، والأوقاف، وليس زكاة، فهو موقوف على نية الواهب وتصريحه.

1- فإذا اشترط الواهب للمال أن يسلم لمعين شخصاً أو جمعية، وجب الالتزام بما صرح به الواهب وإلا كان تصرفاً على غير الوجه المشروع، للواهب الأجر، وللوكيل الإثم.

2- أما إذا أعطى المال دون أن يحدد وجهة صرفه، ثقة في هذه الجمعيات أو المؤسسات أو الأشخاص، فلهم الحرية الكاملة في التصرف في هذا المال على الوجوه المشروع والمعروف.

3- أما مسألة استثمار أموال التبرعات:

فلا يجوز إذا كانت مقيّدة بغرض عاجل، ولا بد أن تصل مستحقيها.

وأما إذا كانت وقفًا أو تبرعًا مطلقًا غير مقيّد بزمن، فتجوز بشروط: الأمان والأمانة، والشفافية، وعود الريع للجهة المقصودة، وعدم وجود مصلحة شخصية.

إن الوكيل تصرفه مرهون بتصريح موكله، وإن سكت فليكن بالمعروف، فكل تصرف خارج حدود الإذن أو الشرع يُعدّ تعدّيًا على الأمانة؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنفال: 27)، وقال تعالى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (الحديد: 7).

نسأل الله عز وجل أن يرزق الإخلاص في القول والعمل، وندعو بما علمنا به سيد الخلق، من رواية سيدنا أبي هريرة: «ما مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (رواه البخاري).


اقرأ أيضا

مكانة المال العام في الإسلام

استثمار اموال الوقف

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة