بين استهداف القواعد وضرب الخليج.. حسابات خاطئة في حرب متعددة الجبهات
مع تصاعد
المواجهات العسكرية بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال «الإسرائيلي»
من جهة أخرى، نجد أنفسنا أمام واقع جديد، حرب بدأت انعكاساتها تُرى في ساحات
متعددة، وهذا التطور العسكري والسياسي يحمل في طياته تداعيات عميقة على إيران على
المستويات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
تعد هذه
المواجهة من أكثر الصراعات تعقيدًا في المنطقة منذ عقود، إذ لم تعد مجرد مناورة
سياسية أو تبادل إنذارات، وإنما صراع مفتوح تُدار فيه العمليات العسكرية المكثفة
على الأرض وفي الفضاء البحري والجوي، ومع ذلك، فإن الأخطاء الإستراتيجية في إدارة
هذه الحرب مثل ما حدث في الخليج العربي، أثرت بشكل كبير على معطيات الصراع ومساره.
إستراتيجية «تعدد الجبهات».. بين الردع المحسوب وأخطار الانزلاق
في الحروب
الحديثة، لم يعد ميدان القتال محصورًا في حدود جغرافية ضيقة أو جبهة عسكرية واحدة،
فمع تعقّد التحالفات وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، أصبحت أي مواجهة قابلة
للتحول سريعاً إلى صراع متعدد الجبهات تتداخل فيه الحسابات السياسية مع الاعتبارات
العسكرية، وفي هذا السياق عملت الجمهورية الإيرانية على حقها بالدفاع عن أرضها
وسيادتها باستهداف مصالح الولايات المتحدة باستهداف القواعد العسكرية، إلا أنها في
هذا السياق وسّعت رقعة الهجمات لتشمل الخليج بهدف تحقيق مكاسب إستراتيجية، إلا أن
ما حدث لربما يمثل انزلاقًا نحو حسابات خاطئة تعمّق الأزمة بدل حلّها.
لذا، لا يمكن الإغفال
عما شهدته المنطقة خلال العقود الماضية من توترات متصاعدة خاصة بين الولايات
المتحدة وإيران، حيث تحوّلت ساحات مثل العراق وسورية إلى مسارح رسائل عسكرية
متبادلة، وغالباً ما كان استهداف القواعد العسكرية يُقدَّم باعتباره رداً محسوباً
يهدف إلى استعادة الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة، غير أن التجارب أثبتت أن هامش
الخطأ في مثل هذه العمليات ضيق للغاية، وأن أي ضربة قد تُفسَّر كتصعيد مباشر
يستدعي رداً أقسى.
معضلة «الهدف والبيئة المضيفة».. تداعيات المساس بشرايين الطاقة العالمية
تتأسس فكرة إيران
المركزية أن استهداف القواعد الأمريكية على فرضية أن الضغط العسكري المحدود يمكن
أن يغيّر سلوك عدوها لدفعه عن مواجهة واسعة، لكن هذه الفرضية تتجاهل طبيعة
التحالفات القائمة في المنطقة وحساسية الدول المضيفة للقواعد، فحين تُستهدف قاعدة
في دولة خليجية، لا تكون الرسالة موجهة فقط إلى الطرف العسكري الموجود فيها، بل
إلى الدولة المضيفة نفسها؛ ما يضعها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على سيادتها
وتفادي الانخراط في نزاع لا تريده.
أما توسيع نطاق
الضربات ليشمل منشآت حيوية في الخليج فيحمل أخطاراً مضاعفة، فالخليج ليس مجرد
مساحة جغرافية، وإنما شريان اقتصادي عالمي، وأي تهديد لإمدادات الطاقة أو الملاحة
البحرية قد يستدعي تدخلات دولية واسعة وبشكل سريع ضد إيران، ويحوّل النزاع من
مواجهة إقليمية إلى أزمة عالمية، وقد شهد العالم نموذجاً لذلك خلال حرب الخليج
الأولى والثانية حين أدت المواجهات المرتبطة بالعراق إلى تحالفات عسكرية واسعة
قادتها الولايات المتحدة، وغيّرت توازنات المنطقة لسنوات طويلة.
فخ التصعيد وسوء التقدير.. حين يتحول التكتيك المحدود إلى استنزاف طويل
في حرب متعددة
الجبهات لا يقتصر الصراع على الجبهة العسكرية التقليدية، فهناك جبهات إعلامية
وسيبرانية واقتصادية، بل وحتى دبلوماسية، قد تعتقد بعض الأطراف أن فتح جبهات
متزامنة سيُربك الخصم ويشتت قدراته، لكن الواقع يُظهر أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى
نتيجة عكسية، إذ إن تعدد الجبهات يرفع منسوب الأخطاء، ويزيد من احتمالات سوء
التقدير خاصة عندما تتداخل حسابات أطراف غير مباشرة أو فاعلين غير حكوميين.
من أبرز
الإشكاليات في هذا النوع من الحروب أن القرار العسكري قد يُتخذ بناءً على تقدير
تكتيكي ضيق، بينما تكون تبعاته إستراتيجية بعيدة المدى، فاستهداف قاعدة عسكرية قد
يبدو في لحظته رداً متوازناً، لكنه قد يدفع الخصم إلى استهداف بنى تحتية حساسة أو
إلى تحريك حلفائه في ساحات أخرى، وهكذا تتدحرج كرة التصعيد، ويتحوّل النزاع إلى
حرب استنزاف طويلة.
كما أن الرهان
على التحكم في سقف التصعيد غالباً ما يكون رهاناً محفوفاً بالأخطار، ففي بيئة
مشحونة بالتوتر يكفي خطأ في الحسابات أو سقوط ضحايا مدنيين بأعداد كبيرة لتغيير
قواعد الاشتباك بالكامل، وعندما تتعدد الجبهات تتعقد قنوات التواصل غير المباشر
ويصبح احتواء الأزمة أكثر صعوبة، وهذا ما حصل مع سلطنة عُمان الوسيط الرئيس الذي
ضُربَ بصواريخ إيرانية.
من جهة أخرى، لا
يمكن إغفال البعد الداخلي لدول الخليج في الصراع التي قد تجد نفسها تحت ضغط الرأي
العام للرد بقوة، حتى لو كانت تدرك أخطار التصعيد، وفي المقابل، قد تستخدم بعض
القوى الإقليمية وهنا نقصد دولة الاحتلال «الإسرائيلي» التصعيد كأداة لتعزيز
مكانتها الإقليمية؛ لأنها الوحيدة المستفيدة من هذه الحرب، دون تقدير كافٍ
لاحتمالات الانفلات.
في ضوء ذلك،
تبدو الحسابات التي تراهن على توسيع نطاق الحرب أو استهداف القواعد في الخليج أقرب
إلى مغامرة غير مضمونة النتائج؛ لذا، فإن تعدد الجبهات قد يمنح انطباعاً بالقوة،
لكنه في كثير من الأحيان يعكس هشاشة في الإستراتيجية، واعتماداً مفرطاً على منطق
التصعيد.
تُظهر تجارب
المنطقة أن الحروب متعددة الجبهات نادراً ما تبقى تحت السيطرة، فبين استهداف
القواعد وضرب الخليج يكمن خيط رفيع يفصل بين الضغط المحدود والانفجار الشامل، وأي
حسابات لا تأخذ في الاعتبار تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، وتداعيات المساس
بالممرات الحيوية للطاقة والتجارة، قد تتحول سريعاً إلى أخطاء إستراتيجية باهظة
الثمن في عالم مترابط، لم تعد أي جبهة معزولة، وأي شرارة قد تشعل حريقاً يتجاوز
حدود النية الأولى بكثير.
كان من الممكن لإيران
أن تركز على استهداف القواعد الأمريكية مباشرة بما يتناسب مع قواعد الاشتباك
المعترف عليها، وهو ما قد يقلل من احتمالية تورط دول أخرى في الصراع، أما توسيع
المساحة الجغرافية للنيران واستهداف موانئ وفنادق ومنصات نفطية في دول الخليج، قد
يؤدي إلى ردود أكثر تنوعاً وقوة، ومن منظور قانوني وإستراتيجي، ضرب الخليج العربي
حتى لو كانت الأهداف عسكرية مباشرة يعني المساس بمصالح دول ثالثة وشركات عالمية
ليست طرفاً، هذا وفر الدعم لقرارات أمريكية و«إسرائيلية» بالرد مع أنها المعتدي،
ليس فقط لأسباب دفاعية بل أيضاً بحجة حماية المصالح الدولية من التهديدات الأمنية
على خطوط التجارة.
ومن جهة أخرى،
عندما طال الاستهداف المياه الإقليمية الدولية في الخليج العربي، لم يكن ذلك مجرد
استهداف لقوة عسكرية، وإنما استهداف لمسار النقل البحري العالمي الذي يمر من خلاله
النفط والغاز، هذا النشاط لم يقتصر على توريط الولايات المتحدة ودولة الاحتلال «الإسرائيلي»،
بل جذب انتباه قوى دولية كبرى لها مصالح في حرية الملاحة والأمن البحري؛ لذا من
أكبر الأخطاء التي أثرت على موقع إيران في الحرب كانت اختيار منطقة غير دقيقة أو
غير مناسبة لاستهدافاتها المبكرة، مثل ضرب الخليج.
اقرأ أيضاً:
اغتيال خامنئي وقادة بارزين.. هل هي ضربة قاضية للنظام أم شرارة الانفجار الكبير؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً