وصايا الرسول ﷺ في القتال (6)

النهي عن التمثيل بجثث قتلى العدو

حين تنتهي الحرب، وتشتعل في النفس نيران الانتقام، قد يندفع الإنسان إلى تجاوز حدود الخصومة الحربية، فيعمد إلى القتلى ويمزق أجسادهم أو يقطع رؤوسهم، ثم يرسلها إلى الخصم، نكاية فيه وإذلالاً له.

لكن الإسلام يرتقي بأبنائه وجنوده إلى مستوى الأخلاق الكريمة، التي تحفظ كرامة الإنسان ولو كان خصماً في المعركة، حتى بعد موته.

ومن هنا جاءت وصيته صلى الله عليه وسلم لأمراء الجيوش، وكان مما جاء فيها، قوله: «لا تُمثِّلوا»؛ لتضع هذه الوصية حدوداً فاصلة بين الجهاد الذي شرعه الإسلام والوحشية التي رفضها وحذر منها.

وهي ليست وصية مؤقتة؛ وإنما مبدأ عام يؤكد أن القيم الأخلاقية لا تسقط عند الأزمات، بل تبقى رغم الصعوبات والتحديات.

ففي صحيح مسلم عَنْ ‌سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا..».

والتمثيل بالجثث هو تقطيع الجسد بعد القتل، يقال مثَّل به: عذّبه ونكّل به بجدع أنفه أو قطع أذنه أو غيرها من الأعضاء. (معجم اللغة العربية المعاصرة، 3/ 2067).

النهي عن التمثيل بجثث القتلى

في صحيح البخاري عن ‌عَبْداللهِ بْن يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النُّهْبَى ‌وَالْمُثْلَةِ»، والنهبى: أخذ الشيء من أحد عياناً وقهراً، والمثلة: تقطيع الأعضاء، كجذع الأنف والأذن وفقء العين ونحوها.

وفي صحيح البخاري أيضاً قَالَ قَتَادَةُ: «بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَى ‌عَنِ ‌الْمُثْلَةِ».

وفي سنن النسائي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَشُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ، بَعَثَاهُ بَرِيدًا بِرَأْسِ يَنَّاقٍ الْبِطْرِيقِ (قَائِدُ الرُّومِ فِي مَعْرَكَةِ أَجْنَادِينَ بِالشَّامِ) إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِالرَّأْسِ أَنْكَرَهُ فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا، قَالَ: «أَفَاسْتِنَانًا (اقْتِدَاءً) بِفَارِسَ وَالرُّومِ؟ لَا يُحْمَلَنَّ إِلَيَّ رَأْسٌ، فَإِنَّمَا ‌يَكْفِينِي ‌الْكِتَابُ، ‌والْخَبَرُ».

وقد نهى الإسلام عن التمثيل بالجثث لما يحمله هذا الفعل من دلالات على فساد الفطرة، وقسوة القلب، وانحراف السلوك الأخلاقي.

هل انتقم النبي من المشركين بالتمثيل بالجثث بعد أن قتلوا عمه حمزة ومثلوا به؟

في الحقيقة، لم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، والذي ورد في هذا الأمر هو ما جاء في «المعجم الكبير» للطبراني، و«المستدرك على الصحيحين» للحاكم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ يَوْمَ «أُحُدٍ» إِلَى حَمْزَةَ وَقَدْ قُتِلَ وَمُثِّلَ بِهِ، فَرَأَى مَنْظَرًا لَمْ يَرَ مَنْظَرًا قَطُّ أَوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنْهُ وَلَا أَوْجَلَ فَقَالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قَدْ كُنْتَ وَصُولًا لِلرَّحِمِ، فَعُولًا لِلْخَيْرَاتِ، وَلَوْلَا حَزْنٌ مِنْ بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أَنْ أَدَعَكَ حَتَّى تَجِيءَ مِنْ أَفْوَاهٍ شَتَّى»، ثُمَّ حَلَفَ وَهُوَ وَاقِفٌ مَكَانَهُ: «‌وَاللَّهِ ‌لَأُمَثِّلَنَّ ‌بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ مَكَانَكَ»، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَبْرَحْ: (وَإِنْ ‌عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل: 126)، حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، وَكَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَأَمْسَكَ عَمَّا أَرَادَ.

وهذه الرواية ضعيفة واهية كما ذكر الإمام الذهبي في تخريج الأحاديث على «المستدرك»، وضعفها الشيخ الألباني في «السلسلة الضعيفة» (550)، ويضاف إلى ذلك أنها لم تذكر أنه صلى الله عليه وسلم قام بالتمثيل بالجثث، وإنما هدد بذلك، لكنه لم يفعل.

الدعوة إلى إكرام الميت

في صحيح مسلم عَنْ ‌شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، أن رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، ‌فَإِذَا ‌قَتَلْتُمْ ‌فَأَحْسِنُوا ‌الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»؛ ففيه دعوة إلى إحسان القتل، وهو يعني ألا يهان الميت أو يعذّب عند القتل أو الذبح.

لذلك، نهى الإسلام عن القتل بالحرق؛ بمعنى إشعال النار في الإنسان أو الحيوان عند الرغبة في قتله، ففي مسند أحمد بسند صحيح عن حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّرَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ، فَقَالَ: «إِنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ»، فَلَمَّا وَلَّيْتُ نَادَانِي، فَقَالَ: «إِنْ أَخَذْتُمُوهُ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ ‌لَا ‌يُعَذِّبُ ‌بِالنَّارِ، إِلَّا رَبُّ النَّارِ».

ويضاف إلى ذلك أن من دعوة الإسلام إلى إكرام الميت تعجيل دفنه، وعدم تركه حتى تأكله السباع أو تخرج رائحته، ففي موسوعة ابن أبي الدنيا (5/ 498)، عن أيوب قال: كان يقال: ‌من ‌كرامة ‌الميت ‌على ‌أهله تعجيله إلى حفرته.

الجوانب الحضارية في الوصية بعدم التمثيل بجثث القتلى

1- حفظ كرامة الإنسان؛ فالموت لا يسقط حرمة الجسد، بل لا بد من الإبقاء على كرامته بتعجيل دفنه.

2- تهذيب غريزة الانتقام؛ فالحروب من شأنها أن تثير غريزة الانتقام، فإذا لم تنضبط هذه الغريزة بأوامر الشريعة ونواهيها فإنها قد تتحول إلى وحشية منفلتة.

3- إظهار الفرق بين الجهاد والعدوان؛ فالمجاهد لا يندفع وراء غرائز الانتقام ولا يتعدى على الجثث بعد نزع الروح منها، أما التمثيل بالجثث فهو من صفات المعتدين.

4- الالتزام الأخلاقي والقانوني؛ فقد دعت الأخلاق الإسلامية قبل القوانين والمواثيق الدولية إلى عدم التعدي على جثث القتلى.

 


 اقرأ أيضاً:

9 أخلاقيات للحروب في الإسلام.. كيف غيَّر النبي ﷺ مفهوم القتال؟

الحرب في الإسلام رحمة بالإنسان وصناعة للسلام

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة