التعليم الأجنبي.. والانحرافات القيمية والفكرية

أسامة الهتيمي

08 أبريل 2025

1031

ما من شك في أن من أهم العوامل التي ساعدت على استلاب الهوية في عالمنا العربي بعد رحيل الاحتلال، إقبال العديد من الأسر على توجيه أبنائها لتلقي تعليمهم في المراحل التعليمية المختلفة في مدارس وجامعات أجنبية، الذي بدا أنه بدافع الرغبة في توفير تعليم عالي الجودة حيث التركيز على اللغات الأجنبية واعتماد مناهج تعليمية متقدمة، الأمر الذي بظن هذه الأسر أنه يمنح أبناءهم فرصاً أكبر وأفضل في سوق العمل، سواء داخل البلاد العربية التي يعاني أغلبها تردياً تعليمياً أو حتى خارج حدودها.

وعلى الرغم من أن هذا الإقبال على المدارس والجامعات الأجنبية ظل مقتصراً لفترة زمنية ليست بالقليلة على طبقات اجتماعية بعينها، فإن هذا الإقبال انسحب ليشمل في الوقت الراهن طبقات اجتماعية أخرى منها من يمتلك القدرة المادية على الوفاء باستحقاقات هذا التعليم، ومنها من يسلك كل مسلك لتوفير هذه القدرة، وهو ما عمّق من أزمة الهوية المجتمعية ووسع من دائرة التبعية الفكرية والثقافية وأوجد مشكلات اجتماعية أخرى.

ولعل الأرقام حول تزايد عدد المدارس والجامعات الأجنبية بالدول العربية تدعم هذا التخوف، فقد اقترب عدد المدارس الأجنبية في عدد من هذه البلاد من الألفي مدرسة التي تضم عشرات الآلاف من الطلاب فضلاً عن العديد من الجامعات الدولية وفروعها.

مخطط قديم

على الرغم من أن خطورة التعليم الأجنبي بالعالم العربي تصاعدت بعدما تمكنت مؤسساته من أن تصبح جزءاً من العملية التعليمية بعد رحيل الاحتلال في القرن العشرين، باعتباره كان ولم يزل أداة مهمة بيد الدول الاستعمارية لإعداد نخبة محلية تابعة لها إدارياً وثقافياً، فإن تاريخ التعليم الأجنبي بالعالم العربي يعود لما قبل وجود الاحتلال، فقد أدت البعثات التبشيرية والاستعمارية دوراً رئيساً في إدخال هذا النمط من التعليم للمنطقة، فكانت المدارس التبشيرية الفرنسية والإنجليزية والإيطالية التي انتشرت بكل من مصر ولبنان وتونس والجزائر وبعض الدول الأخرى في الفترة من القرن السابع عشر وحتى التاسع عشر.

وقد برز من هذه المدارس مدرسة القديس يوسف اليسوعية بلبنان، ومدرسة الفرير بكل من مصر ولبنان وسورية، ومدارس الآباء اليسوعيين بالعراق وسورية، التي كانت تهدف جميعها إلى نشر الثقافة الغربية وتعليم اللغات الأجنبية فضلاً عن نشر المسيحية بين المواطنين.

وبالطبع ومع دخول الاستعمار للدول العربية خلال القرن التاسع عشر كانت الفرصة مواتية وبقوة لترسيخ وجود هذه المؤسسات التعليمية الأجنبية، فازداد انتشار المدارس الأجنبية أو حتى نمطها الخاص، ففرضت فرنسا مناهجها التعليمية على الجزائريين والتونسيين والمغاربة، وافتتحت بريطانيا مدارس تعتمد اللغة الإنجليزية والمناهج البريطانية في مصر، وهكذا مع بقية الدول الخاضعة للاستعمار، حتى كان النصف الأول من القرن العشرين، فتم إنشاء جامعات أجنبية في بعض الدول العربية كالجامعة الأمريكية في كل من بيروت (1866م) والقاهرة (1919م) وجامعة القديس يوسف في بيروت (1875م) ثم لبقية الدول العربية.



الولع بالتغريب و«الأمركة» سيقود التعليم العربي إلى كارثة |  مجلة المجتمع الكويتية
الولع بالتغريب و«الأمركة» سيقود التعليم العربي إلى كارثة | مجلة المجتمع الكويتية
قيمة أي أمة بقدر اهتمامها بتعليم أبنائها من خلال م...
www.mugtama.com
×

https://www.mugtama.com/articles/%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%84%D8%B9_%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%A8_%D9%88_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%A9_%D8%B3%D9%8A%D9%82%D9%88%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A_%D9%84_%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%AB%D8%A9


انحراف قيمي

تقتضي الموضوعية الاعتراف بأن نتيجة المقارنة بين جودة التعليم الأجنبي والتعليم المحلي في بلادنا العربية ستكون حتماً لصالح التعليم الأجنبي، ومن ثم فقد كان يمكننا أن نستفيد أيما استفادة من خريجي المدارس والجامعات الأجنبية، وهو ما لم يحدث بكل أسف، بل على العكس فقد كان لهذا النوع من التعليم انعكاساته السلبية على المنظومتين السلوكية والفكرية.

فالعملية التعليمية ليست مجرد تلقي حزمة من العلوم بشكل مجرد، لكنها مجموعة من الأنشطة والتفاعلات المنظمة التي بالإضافة إلى نقل المعرفة وتنمية المهارات تهدف إلى غرس القيم والمعتقدات لدى الأفراد من خلال بيئة تعليمية تشمل المعلم والمتعلم والمحتوى الدراسي، وذلك باستخدام أساليب وأدوات تعليمية متنوعة، وبالتالي فإن تلقي العملية التعليمية في المدارس أو الجامعات الأجنبية يصاحبها تأثيرات واسعة النطاق على القيم والسلوكيات والمعتقدات أيضاً في المجتمعات العربية.

يبرز من هذا أن المناهج التعليمية والتربوية الأجنبية تعتمد فلسفات تختلف في منطلقاتها وحيثياتها عن المنظومة القيمية والثقافية العربية والإسلامية، ومن ذلك مثلاً أن الحرية في الإسلام ليست مطلقة، بل مقيدة بضوابط الشريعة التي تحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، فهي تقوم على العبودية لله وحده؛ أي أن الإنسان حر من العبودية لأي شيء آخر سوى الله، كما أن كل فرد مسؤول عن أفعاله مع وجوب ألا تثير حريته فتنة أو تضر بالآخرين، فيما أن مفهوم الحرية في الغرب قائم على الفردانية بمعنى استقلال الفرد عن أي قيود دينية أو مجتمعية، فهي حرية مطلقة حتى لو تعارضت مع الدين أو العادات؛ وهو ما كان سبباً رئيساً في تراجع الروابط العائلية والتقليل من شأن القيم الاجتماعية المشتركة.

ويرتبط بذلك أيضاً أن هذه المناهج تتناول بعض القضايا الأخلاقية والاجتماعية البعيدة عن المجتمع العربي المسلم، فيترك التعليم الأجنبي أثرًا مباشرًا على السلوك الاجتماعي للطلاب، حيث يظهر ذلك في التأثر بالأنماط الاستهلاكية الغربية وضعف الانتماء الوطني والتفاعل مع القيم الغربية دون نقد.


اقرأ أيضاً: التعليم وصناعة النهضة.. المنهجية والقيم


تشوهات فكرية

ربما يرى البعض أن الانحرافات السلوكية كأثر للتعليم الأجنبي ليست بدرجة الخطورة التي يمكن أن يحدثها التعليم الأجنبي من تشوهات فكرية لدى من يتلقون هذا التعليم؛ إذ يرون تربية المتعلم وتعليمه في بيئة أجنبية يمكن أن يشكل لديه نوعاً من الصراع الداخلي بين من أنا؟ وما يجب أن أكون عليه حسب الغرب؟ ما يفرز عدة أشكال من التشوهات الفكرية حيث التعميم السلبي بالقول: إن العرب دائماً متأخرون، أو التركيز فقط على عيوب المجتمع العربي والمسلم، وفي ذات الوقت تجاهل الإيجابيات فضلاً عن الشعور بالدونية.

ويا ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، إذ يكون لهذه التشوهات انعكاسها العملي على الفرد فتضعف من هويته الثقافية والدينية، حيث تهمل المناهج الخاصة لهذه العملية التعليمية كل ما يتعلق بتاريخ الأمة وجذورها، كما تتبلور لدى المتعلم نظرة خاطئة عن الإسلام كدين فتترسخ لديه الأفكار العلمانية، ومن ثم الفصل بين الدين والدولة، وهي فكرة ناشئة كنتيجة للصراع بين الكنيسة من جهة، والحركات الإصلاحية من جهة أخرى في أوروبا؛ لأسباب تتعلق بموقف الكنيسة من العلم والنظريات العلمية، الأمر الذي دفع الغرب إلى تبني رؤية عامة إزاء كل الأديان بما فيها الإسلام؛ لإقصاء الأديان عن الحياة، رغم أن الإسلام لا يمكن قياسه على الإطلاق بما فعلته الكنيسة، فالعشرات من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة حثت المسلمين على العلم وتحصيله وتقدير العلماء.


اقرأ أيضاً: عولمة المناهج التعليمية.. الأخطار والتحديات


والحقيقة أن مسألة فصل الدين عن الحياة ليست مجرد خلل فكري، ولكنها أيضاً مسألة عقدية، فحصر الدين في المسجد هو مخالفة صريحة لجوهر العقيدة الإسلامية التي هي شاملة لكل جوانب الحياة، فيما أن تشريعات الإسلام صالحة لكل زمان ومكان.

ويستتبع ذلك بطبيعة الحال التشكيك في المسلَّمات الدينية، حيث تتم صياغة بعض الموضوعات الحساسة بأساليب نقدية تثير شكوك الطلاب حول وجود الله عز وجل، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والغيبيات كالحديث عما يجري في حياة البرزخ والجنة والنار والملائكة والقضاء والقدر وغيرها من القضايا، بما يهدد فطرة الإنسان المسلم خاصة في مرحلة الطفولة أو المراهقة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة