ألبانيا.. أول مؤتمر علمي يعيد إرث العلماء الألبان إلى واجهة الذاكرة التاريخية

هاني صلاح

18 أبريل 2026

109

في خطوة علمية تحمل دلالات معرفية وتاريخية استثنائية، شهدت العاصمة الألبانية تيرانا انعقاد أول مؤتمر علمي من نوعه في البلاد يتناول إرث العلماء الألبان في مناطق غرب البلقان خلال الحقبة العثمانية الممتدة لنحو 5 قرون، كما مثّل الحدث أول مؤتمر علمي ينظمه مركز «منبر» منذ تأسيسه الحديث، في مؤشر واضح على توجه بحثي جاد لمؤسسة ناشئة اختارت أن تدخل مباشرة إلى أحد أعمق ملفات التراث الألباني العلمي الإسلامي في المنطقة.

ويكتسب هذا المؤتمر أهمية مضاعفة، ليس فقط كونه الأول من نوعه، بل لأنه يفتح ملفاً ظل طويلاً في دائرة الظل، يتعلق بالعلماء الألبان، والمدارس الدينية، ومؤسسات العلم الشرعي، وأثر هذه النخب في تشكيل الوعي الديني والاجتماعي والسياسي في ألبانيا ومناطق غرب البلقان خلال العهد العثماني، وهي مرحلة امتدت لنحو 5 قرون وتركت بصمات عميقة في تاريخ المنطقة.

«منبر» يفتح لأول مرة في ألبانيا ملف العلماء والمدارس الدينية في غرب البلقان خلال الحقبة العثمانية

كما يعكس اتساع المشاركة الأكاديمية من دول غرب البلقان التي تعيش فيها الشعوب الألبانية، في ألبانيا وكوسوفا ومقدونيا الشمالية والجبل الأسود، بالإضافة إلى تركيا، يعكس توجهاً إقليمياً واضحاً، خاصة في ظل ما يحتضنه الأرشيف العثماني في تركيا من كنوز وثائقية تتصل بهذه المرحلة التاريخية.

لماذا هذا المؤتمر الآن؟

وفي تصريحات لـ«المجتمع»، أكد د. فريد بيكو، مدير مركز «منبر»، أن المؤتمر يهدف إلى إلقاء الضوء على الكنوز العلمية الثمينة التي أنجبها الشعب الألباني خلال الفترة العثمانية، من علماء وتراث معرفي ظل في معظم الحالات مهمشاً ومغطى بغبار الإهمال، بل وساء فهمه في كثير من الأحيان.

وفي هذا الصدد، شدد على أن الحديث عن العلماء الألبان في الفترة العثمانية يكشف عن كوكبة واسعة من الشخصيات البارزة، وقائمة طويلة من الأسماء التي ضمت مدرسين ومعلمين بارزين، وشيوخ الإسلام، ومفتين وقضاة متميزين، وعلماء وفلاسفة، ومؤرخين وكتَّاباً وشعراء، إلى جانب شخصيات تولت مناصب إدارية وسياسية رفيعة في الدولة، من قادة وولاة ووزراء وصدور عظام؛ وهو ما يعكس المكانة الرفيعة التي بلغها العلماء الألبان في شؤون الدين والدولة معاً.

وأضاف أن المؤتمر يسعى كذلك إلى جذب اهتمام الباحثين والطلاب والمهتمين نحو حقبة طويلة ومفصلية من تاريخ ألبانيا وغرب البلقان، بما يساعد على فهم السياق الثقافي والاجتماعي والسياسي للمدن الألبانية، ومؤسسات الدين والعلم، وطبيعة العلماء والأئمة الذين تخرجوا في مدارس المنطقة وفي مدارس إسطنبول، والمهام الأساسية التي اضطلعت بها هذه الكوادر العلمية، والدور الذي أدته في المجتمع خلال المحطات التاريخية الدقيقة التي مرت بها شعوب المنطقة.

مشاركة أكاديمية واسعة من ألبانيا وكوسوفا ومقدونيا الشمالية والجبل الأسود وتركيا تعكس عمق المشروع البحثي

وعلى هذا النحو، أشار إلى أن الهدف الأعمق للمؤتمر يتمثل في إعادة الشخصيات العلمية والفكرية الألبانية إلى المكانة التي تستحقها في الذاكرة الوطنية والثقافية، لافتاً إلى أن دراسة التراث والتقاليد العلمية تمثل مدخلاً لفهم هوية الأسلاف، والطريق الذي ساروا فيه، والآثار التي أورثوها للأجيال اللاحقة، رغم ما تعرضت له هذه المسيرة مع مرور الزمن من انحرافات وخطر الطمس والاندثار.

أوراق علمية ترسم خريطة 5 قرون من المعرفة

وانطلقت أعمال المؤتمر بكلمة افتتاحية ألقاها د. فريد بيكو، مدير مركز «منبر»، أعقبتها جلسات علمية متعددة تناولت الخلفية التاريخية والمؤسسات التعليمية والمدارس العثمانية في المنطقة.

ومن بين أبرز الأوراق العلمية التي قدّمها باحثون وأكاديميون من دول المنطقة، جاءت مساهمة البروفيسور د. عبدالرحمن أتشيل، الأستاذ بجامعة سابانجي، عضو أكاديمية العلوم التركية، بورقة بعنوان «العلم والعلماء في الدولة العثمانية».

كما برزت مشاركة البروفيسور د. علي إركان، أستاذ جامعة مرمرة، بورقة علمية بعنوان «العلماء في البلقان بعد الفترة العثمانية»، حيث وسّعت الإطار الزمني للنقاش إلى ما بعد الحقبة العثمانية.

ومن كوسوفا، شهدت الجلسات أيضاً مشاركة د. صادق محمدي، عضو معهد الدراسات الألبانية في العاصمة الكوسوفية بريشتينا، أستاذ كلية الدراسات الإسلامية فيها، حيث قدّم ورقة بعنوان «المدارس العثمانية ومناهجها».

كما شارك من مقدونيا الشمالية د. قنان إسماعيلي، مفتي العاصمة إسكوبية، بورقة علمية بعنوان «المدارس الألبانية القديمة في إسكوبية»، مسلطاً الضوء على الإرث التعليمي للمؤسسات الإسلامية الألبانية في المدينة.

وفي الجلسات اللاحقة، قدّم البروفيسور د. مرتضى بدير، أستاذ جامعة إسطنبول، رئيس مركز الدراسات الإسلامية «إيسام»، ورقة بعنوان «دور العلماء بين الماضي والحاضر».

وتعكس هذه الأوراق العلمية، وغيرها من المداخلات القادمة من ألبانيا ودول غرب البلقان وتركيا، اتساع الأفق البحثي للمؤتمر، وتؤكد أنه يمثل محطة علمية بارزة في مسار إعادة قراءة التراث العلمي الإسلامي في المنطقة، ويفتح الباب أمام دراسات أوسع حول أثر العلماء الألبان في مناطق غرب البلقان خلال 5 قرون من الحضور العثماني.

مركز «منبر».. ومشروع استعادة التراث العلمي

وفقاً للموقع الإلكتروني لمركز «منبر»، تأسس المركز استجابة للتحديات المعاصرة التي تواجه الخطاب الديني والفكر الإسلامي في البلاد، انطلاقاً من الرغبة في خدمة هذه القضية وتلبية الاحتياجات الملحّة للكوادر الدينية.

وتتمثل المهمة الأساسية للمركز في المساهمة في رفع مستوى الخطاب الديني العام، وتعزيز البحوث الإسلامية، ودعم قدرات الكوادر والباحثين والمحققين العلميين.

كما يعمل القائمون عليه على دراسة دور العلماء الألبان في مناطق غرب البلقان خلال الحقبة العثمانية، وإحياء تراثهم العلمي والديني والثقافي، وهو ما ينعكس بوضوح في طبيعة هذا المؤتمر وأهدافه البحثية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة