أثر الحروب على التوازن النفسي عند الأبناء
كان سعيداً
بألعابه التي يقضي معها وقته ويتسلَّى بها، ثم جلس الطفل أمام شاشة التلفاز يشاهد
ما لا يُحتمل؛ دماء، وأشلاء، وانفجارات، وبيوت تُهدم.. مشاهد لم يفهم معناها
الحقيقي، ولكن هذه المشاهد تغلغلت إلى أعماق فؤاده، وشغلت عقله، واستنفذت تفكيره،
ثم ذهب الطفل إلى سريره لكي ينام فلم يستطع النوم كعادته؛ التفكير يفتك به، والخوف
يزداد تدريجياً، وقد تسَرَّب القلق إلى داخله، هناك شيء مفقود بداخله، يبحث عنه
ولا يجده، يا تُرَى ما هو؟! إنه التوازن النفسي.
ففي زماننا هذا
لم تَعُد الحرب حدثاً يُروى من بعيد للأبناء، بل صار مشهداً يُذاع على الهواء
مباشرة، لحظة بلحظة ودون واسطة، ومع تكرار مثل هذه المشاهد المرئية والأخبار
المقروءة والمسموعة يُصبح الطفل فريسة سهلة للقلق والخوف والهلع والحُزن.
الطفل في زمن
الحرب يتحمل أشياء فوق طاقته النفسية، فهو يسمع أكثر مما يفهم، ويشاهد أكثر مما
كان يتوقع، ومرحلة الطفولة بطبيعتها تحتاج إلى التدرج في ترتيب المشاعر، ولكن
الحروب تخالف هذه القاعدة، إذ إنها تضرب هذا التدرج في مقتل، وتدفع الطفل دفعاً
إلى مساحة نفسية لم يكن قد أُعِدَّ لها إعداداً سليماً وقوياً، وهذه بعض التوجيهات
التي ينبغي للمربين أن ينتبهوا لها:
1- التعرض غير المباشر له أثر مباشر:
إن التعرض
لمشاهد الحرب -ولو كان غير مباشر- يؤثر في نفسية الأطفال تأثيراً كبيراً، إذ إن
هناك تقارير صادرة عن منظمة «يونيسف» تُشير إلى أن التعرض لمشاهد الحرب والعنف -حتى
ولو كانت عبر الشاشات- قد يؤدي في الغالب إلى أعراض نفسية قريبة من الصدمة، وكذلك
تفيد بعض التقديرات إلى أن عدداً ملحوظاً من الأطفال الذين يشاهدون ويتابعون مشاهد
الحرب والنزاعات بشكل مستمر؛ يظهر عليهم علامات القلق والخوف والاضطراب النفسي،
حتى ولو كانوا يعيشون في بيئات آمنة ومُستقرة نِسبياً، وهذا يُبين لنا أن المشاهدة
حتى ولو كانت عبر الشاشات قد تكون كافية لإحداث أضرار نفسية عميقة عند أبنائنا.
2- الفجوة بين المشاهدة والإدراك:
يخرج الإنسان
إلى الدنيا كصفحة بيضاء نقية، ويبدأ في التعلم بالتدريج بما يناسب سِنه الزمنية
والعقلية، وذلك مصداقاً لقول الله تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ
شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ) (النحل 78).
فالأطفال يرون
الأشياء ببراءة الطفولة الجميلة، فليس لديهم الوعي الكامل للأحداث، وليس لديهم
بُعد الإدراكات العقلية الكافية لفهم تعقيدات الأحداث الساخنة كما يُدركها
الناضجون والكبار، ولكنه في الوقت ذاته لديه حساسية عالية للشعور بتلك الأحداث
ومُجرياتها والتأثر بها، فتجد أن الطفل يتشبع بالمشاعر التي يتشربها وقت الأحداث،
فتُحدث لديه خللاً وفجوة كبيرة بين ما يتأثر به وبالأحداث، فتراه يُضخم الأحداث،
ويُعظمها، ويُعظم ما سيترتب عليها.
وخياله الواسع
لا يُوقف الأحداث في مكانها، بل يذهب به خياله الواسع إلى ما لا يتوقعه الكبار،
فيبني أحداثاً فوق الأحداث لم تَحدُث أصلًا، ولكنه يبني مشاعره على ما يُفكر فيه،
وتتوغل هذه المشاعر بداخله وتجد لها موطناً للسكنى والقرار، وهذا ما يزيد الأمر
سوءاً حينما لا يجد من يسُد الثغر ويقوم بتوضيح الحقائق له، ويُبعد عنه الوساوس
والخيالات الضارة.
3- الخوف الصامت وتآكل الطمأنينة:
أحياناً وللأسف
الشديد يأتي الخوف بصورة مُغايرة، فلا يأتي في صورة فزع أو صراخ أو ذُعر واضح، بل
يتسلل بهدوء إلى داخل الطفل، فيُغير طريقة تفكيره وطريقة إظهار الخوف، فيكون في
حالة خوف وذُعر ولكن في صمت تام، خوف داخلي يفتك به ولكنه لا يُعبر عنه، يُعايشه
من الداخل ولكنه أحياناً لا يَظهر عليه بشكل واضح، ثم بعد فترة ليست بالطويلة تظهر
أعراضه؛ من قلق مستمر، واضطراب في النوم، وتفكير زائد لا يتناسب مع عمره الزمني
والعقلي، وهلع.
ويبدأ هذا الخوف
الصامت يأكل الطمأنينة بالتدريج، حتى تموت الطمأنينة من الداخل إن لم نتدارك الأمر
بسرعة ونستعين بالله ونُرسخ فيه الطمأنينة ونبدأ في بنائها من جديد بأساليب تتوافق
مع سِنه واستيعابه.
وقد أوضحت بعض
الدراسات النفسية والتربوية أن التعرض المتكرر للمثيرات المُقلقة دون احتواء نفسي
مناسب للإنسان وسِنه وعقله ومشاعره يُضعف الإحساس بالأمان لدى الأطفال، ويزيد من
مستويات القلق والخوف والتوتر لديهم.
4- استجابات نفسية متطرفة وزائدة عن الحد:
أثناء الحرب
يتعرض الطفل لضغط نفسي يفوق قدرته على الاستيعاب، فيعيش الطفل حرباً داخلية طاحنة،
بين ما كان عليه في زمن مَضَى، وحاضر مليء بالدماء والأشلاء، يعيش حرباً داخلية
بين واقع مرير وما كان يؤمله، وحينها يميل إلى استجابات نفسية حادة ومُبالغ فيها،
فإما أن يُصبح شديد الحساسية، فيكون سريع البكاء والانفعال والاندفاع بصورة
متطرفة، وإما أن يتجه إلى النقيض تماماً، فيظهر بمظهر البرود الحِسي، والتبلد في
الإحساس، وكأن مشاعره قد امتُصت إلى الداخل لتحميه من الألم، وهذه الاستجابات ليست
خللاً في الطفل، بل هي محاولة دفاعية داخلية من النفس لتتكيف مع ضغط لم تتهيأ له.
ولنعلم أن
استمرار هذا الوضع دون وعي من المحيطين به، ودون التدخل المبكر قد يخلق نمطاً غير
صحيّ في تعامل الطفل مع مشاعره، فيفقد حينها قدرته على التوازن تدريجياً بين
الإفراط والتفريط، ولذلك وجب التدخل التربوي والنفسي السريع والواعي من الأبوين
أولاً، ولا بد أن يكونا على قدر المسؤولية، خاصة في زمن الحروب.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً