في منهجية التغيير

مقالات رئيس التحرير

محمد سالم الراشد

في منهجية التغيير

السبت، 07 أغسطس 2021 03:28 عدد المشاهدات 14980

 

نشر د. المنصف المرزوقي، الرئيس التونسي الأسبق، مقالاً بعنوان "أخطر أوهام العرب"، نشر يوم 29/ 7/ 2021، على موقع شبكة "الجزيرة"، ملخصاً مشهد الحالة العربية والديمقراطية، وأكد فيه أن فشل التجارب الديمقراطية مرده إلى تغلغل فكرة "المستبد العادل" عند طبقة مستفيدة، وأقلية تملك المقدرات، وتؤثر في الشعوب المستضعفة لتنتظر المخلص (المستبد) وتتعايش مع هذه الفكرة.

ولم يرسم الكاتب حلاً لهذا المأزق إلا بالعودة والتمسك بالديمقراطية واتساع مفهوم الحريات، واعتبر أن القوي العادل كنموذج تاريخي، هو عمر بن الخطاب، هي فترة تاريخية بظروفها.

وانتقد المفكر الصديق د. عمرو دراج فكرة د. المنصف المرزوقي بأنها تعيد دورة الديمقراطية الغربية في عالمنا العربي التي أثبت التطبيق العملي فشلها (الليبرالية الديمقراطية) التي يلتحف بها الغرب وينفخ من جهة فيها، ومن جهة أخرى يمكِّن للمستبد الطاغية، وأن الإسلاميين نقلوا نفس الخطأ باستظلالهم بهذا النموذج الغربي الذي وطن ليكون مظلة لتنفيذ مصالح قوى خارجية وداخلية على حساب شعوب المنطقة، وتبعتهم قوى إسلامية فشلت في تنفيذ هذا المشروع، ودعا إلى الأخذ بالنموذج العمري الإسلامي والعودة إلى الدستور القرآني.

وإضافتي الشخصية إلى ما ذهب إليه الكاتبان هو أن كلا الفكرتين صحيحة.

فالقوى الحية يجب أن تعبُر بالشعوب إلى رحاب العدل والحرية وكرامة العيش بمنهج الإسلام العظيم، فهو صالح لكل زمان ومكان، وهنا يتوجب تفصيل الاجتهاد الإسلامي ليعالج مستجدات الحالة السياسية والإستراتيجية التي تعيشها المجتمعات الإسلامية.

ولكن من أجل أن نصل إلى غايات النظرية السياسية الإسلامية، فإن منهجية إتاحة مجال الحريات والديمقراطية مهمة؛ إذ إنها تتيح حالة من المناخ والظرف والفرص لتمكين المسار العملي للوصول إلى إقامة نموذج سياسي واقتصادي واجتماعي يتكيف مع الظروف والمتغيرات والمستجدات.

فالتغيير إما يكون خارج نظام المنظومة العالمية والإقليمية والمحلية، وهذا يتطلب قدرات وقوة قادرة على الصراع والنجاح في هدم هذا النظام وإحلاله بنظام جديد، وهو مالا تملكه القوى الحية الساعية للتغيير، سواء كانت منظومات سياسية أو اجتماعية أو الدول التي تسعى للتحرر من هذه المنظومة التي تشكلت عبر قرون طويلة ويراد هدمها بعقود من العمل التغييري، وهذا غير ممكن في ظل تفرق وتشتت وضعف وفقر هذه القوى، وتمكن للخارج على مقدرات الأوطان.

أو أن يكون التغيير من داخل النظام، وهو أن يعمل بمبادئ التكيف وفق ما تقتضيه المصالح وتجنب المفاسد واستخدام كل الممكنات في السياسة الشرعية وكل هوامش الفرص المتاحة في النظام السياسي الدولي والإقليمي والمحلي، والاستظلال مرحلياً بالديمقراطية ومساحات الحرية المتاحة ونظام التحالف مع الأطراف الأقرب فالأقرب مصلحياً، والتدرع بالقوى المتخالفة، واستغلال حالة التغير العالمي في المجتمعات العالمية نحو الحريات والعدالة.

من أجل التدرج في النموذج الوطني نحو بناء القوة الشاملة وامتلاك الإرادة تدريجياً ثم البناء عليه لبناء نموذج إقليمي متدرع بقوى متعادلة تتوازن مع الخصوم في النظام الدولي، ثم الانتقال نحو نموذج دولي متعاون في مصالح جيوسياسية وإستراتيجية، وفي الوقت نفسه يتم البناء المرجعي السياسي الفكري تدريجياً بتوفير الفرص وحمايته بالدروع والحلقات الخارجية لحين اكتماله ونضوجه.

علماً أن الأجيال تتغير من مرحلة إلى أخرى، وهذا يدعونا إلى أن تثبت القوى الحية والنماذج السياسية للدولة الحرة على الثوابت والمكتسبات طيلة عملية المراحل التدريجية دون نسف لنتائجها ومقرراتها، وصيانة وتعديل مسار كل انحراف.

إن هذا التغيير بعمر الدول والإمبراطوريات يحتاج إلى قرون، فالنهضة في أوروبا استمرت 4 قرون حتى بدأت عهد التنوير ثم الثورة الاجتماعية ثم الثورة السياسية ثم الثورة الاقتصادية التي أدت إلى الثروة التي مكَّنت للعولمة.

وللأسف، إن الكثير من منظري ومفكري القوى الحية عدا الشعوب تستعجل النتائج.

لقد آوى فتية الكهف إلى كهفهم بعد ما أدوا رسالتهم هاربين خوفاً على منهجهم، لكنهم بذروا تلك الأفكار الربانية في تغيير المجتمع، والله أخبرنا أنهم مكثوا 3 قرون و9 سنوات، وعندما استيقظوا فإذا الدنيا غير دنياهم، ولكن الناس قد آمنوا برب أصحاب الكهف وساروا على دربهم.

عملية التغيير عملية طويلة تحتاج لقرون لحصد النتائج.

لكن كل جيل عليه أن يستفيد من الفرص ويتعامل بأدوات التغيير المتاحة، وأن يحرص على توفر الحريات لممارسة المنهج الرباني الذي أمرنا الله به ولحصد العدل والإحسان وإقامة القسط بين الناس ولتأمين الناس من الجوع والخوف والعيش بكرامة، وهو المنهج الثابت المستقر، وهو الإسلام ومنهجه، ولكن عن طريق مغالبة الواقع بأدواته المتاحة والبناء على النتائج من مرحلة إلى أخرى، والعاقبة للمتقين.

آخر تعديل على السبت, 07 أغسطس 2021 16:11