علماء الأمة يشخِّصون أمراض الخطاب الإسلامي عن القدس ويضعون الحلول
طباعة

بعد الهدنة بين الضحية والجلاد..
علماء الأمة يشخِّصون أمراض الخطاب الإسلامي عن القدس ويضعون الحلول

علا سليمان الأربعاء، 09 يونيو 2021 12:36
  • عدد المشاهدات 1804

طرح العدوان الصهيوني الغاشم على الأراضي الفلسطينية وخاصة في القدس وغزة تساؤلات كثيرة عن الخطاب الديني في عالمنا العربي والإسلامي بخصوص قضية القدس، وما له، وما عليه، وكيفية تصويب الأخطاء الحالية، ليعود خطابنا قوياً مقنعاً محفزاً للهمم، ومرعباً لأعدائنا الذين يتربصون بنا الدوائر بشكل مباشر أو غير مباشر.

خلال مشاركته في البرنامج الحواري «بيان للناس»، أكد د. علي محي الدين القره داغي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أهمية أن يحقق خطابنا حول القدس مفاهيم العبودية لله والقوة العسكرية والعقائدية والوحدة، ثم المرجعية القرآنية، مطالباً بأن يكون لعلماء الإسلام دور كبير في الخطاب المنشود المتعلق بالقدس حتى تتحرر.

وفي تصريحات لـ»المجتمع»، قال د. أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: الخطاب الإسلامي والعربي المتعلق بالقدس لا بد أن ينطلق من قول الله تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: 60)، فكلمة «أعدوا» أمر إلهي بالأخذ بكل أسباب القوة، ومنها قوة الخطاب الجهادي الشامل المنطلق من مقولة: «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»، خاصة أن حربنا مع الصهاينة حرب دينية سياسية تستهدف اقتلاعنا للوصول إلى «إسرائيل الكبرى».

وحذر هاشم من الانفصال والازدواجية بين خطاب الحكام وخطاب الشعوب، وهو ما يخدم مصالح العدو الذي لم يعد يخشى الحكام، ولكن خوفه كله من الغضب الشعبي القائم الذي يزيد يوماً بعد يوم، ويرفض كل أشكال التطبيع، ولا يؤمن بشعارات السلام الواهية التي تم من خلالها تحويلنا إلى «أمة غثاء السيل» وزراعة الوهن وكراهية الجهاد في نفوسنا.

وينهي د. عمر هاشم كلامه مؤكداً أن أمتنا تضعف ولكنها لن تموت، وسيجند الله لها من يُحدث تغييراً شاملاً في حياتها وخطاباتها ليكون خطاب العزة تجاه كل قضاياها وليس القدس فقط الذي نؤمن أن حربنا الكبرى والفاصلة معهم قادمة، وسيكتب الله لنا النصر بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

2021-06-09_12-54-14.jpg

بكل اللغات

أما د. محمد البشاري، رئيس المؤتمر الإسلامي الأوروبي، فقد أكد، في تصريحات لـ»المجتمع»، ضرورة أن يكون خطابنا الديني موجهاً أيضاً لمسلمي العالم ولغيرهم بكل اللغات، لافتاً إلى أن القضية أكبر من أن يكون خطابنا لأنفسنا.

ولفت البشاري إلى أهمية سلاح الفن بكل لغات العالم في التعبير عن قضيتنا وتقديمها للعالم بلغة مؤثرة حتى يفهمها ويتجاوب معها، مؤكداً أنه لغة عالمية ينبغي استخدامها وعرض قضيتنا من خلالها.

أما الشيخ محمد حسين، مفتي القدس والديار الفلسطينية، فلخص، لـ»المجتمع»، أزمة الخطاب الديني في عدم قدرته على تسمية الأشياء بمسمياتها، مؤكداً أن الدعاة يجب عليهم أن يفعلوا ذلك، ضارباً المثل بأن الحكم الشرعي الذي يجب أن يتم تصديره هو أن تحرير بلادنا واجب شرعاً على العرب والمسلمين؛ لأنها ليست قضيتنا كفلسطينيين وحدنا، ولكنها قضية الأمة التي سيسألهم الله عنها.

من جهة أخرى، شدد مفتي القدس على أن ما ينبغي تصديره أيضاً في الخطاب الديني هو فكرة المقاومة، بمعنى أن خيارنا الوحيد هو استمرار المقاومة العادلة لنيل حقوقنا المشروعة.

وطلب الشيخ حسين أن يتضمن الخطاب الإسلامي المتعلق بالقدس في المرحلة الحالية والقادمة فضح مطامع «الإسرائيليين»، التي لن تتوقف عند التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، بل عند هدمه بحثاً عن الهيكل المزعوم.

وأنهى الشيخ حسين كلامه بنفي اتهام ظالم يؤثر سلباً على الخطاب العربي والإسلامي المتعلق بالقدس، وهو أن أبناء فلسطين باعوا الأرض والعقارات لليهود بأسعار مغرية؛ حيث أكد أن هذا الاتهام التاريخي بالتفريط كانت حالات فردية نادرة جداً، ولا يقاس عليها، أما غالبية الشعب فهو مقاتل وفدائي دفاعاً عن أرضه، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

2021-06-09_12-49-54.jpg

إجبارية بالتعليم

من جانبه، يرى د. عمر جبريل، رئيس المجلس الإسلامي بالكاميرون، وجوب إصدار قرار من منظمة التعاون الإسلامي يحمل صبغة إجبارية، لتكون قضية فلسطين، وفي القلب منها القدس، جزءاً من المناهج الدراسية لأبناء العرب والمسلمين.

واقترح جبريل، في تصريحات لـ»المجتمع»، أن يتم إعداد هذه المناهج بمختلف اللغات حتى تنشأ أجيالنا على دراية بها، وتظل مشتعلة في قلوب الأمة؛ لأنها قضية الجميع وليس أبناء فلسطين فقط كما يحاول الاحتلال تسويقها.

وطالب بضرورة أن يعي العرب والمسلمون امتلاك تكنولوجيا العصر بأحدث ما وصلت إليه، سواء فضائيات أم غيرها من الوسائل، مشدداً على أن تكون بمختلف اللغات ويعمل بها كفاءات ومفكرون على إلمام بمختلف قضايا الأمة، وكذلك دراسة كيفية توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في خدمة القضية الفلسطينية، مثلما فعل اليهودي «مارك زوكربيرغ»، مؤسس «فيسبوك»، خلال العدوان الصهيوني على غزة، حيث تم توظيفه لخدمة المعتدين وحجب أي ردود فعل ضدهم.

وتساءل جبريل: أين إعلامنا العربي والإسلامي من إصدار «اليونسكو» عام 2016م قرارها حول القدس الشرقية، وتأكيده فيه أهمية الحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني في القدس، خاصة المسجد الأقصى الذي هو من المقدسات الإسلامية الخالصة؟ وقد سبق هذا القرار وأعقبه قرارات مماثلة تحتاج إلى تفعيل من جانبنا لتشجيع هذه المنظمات الدولية على اتخاذ قرارات أكثر جرأة ومواجهة الضغوط «الإسرائيلية» والدول المناصرة لها التي قامت بمهاجمة «اليونسكو»، بل انسحبت بعضها منها وتوقفت عن دفع مستحقاتها كوسيلة للضغط عليها للتراجع أو عدم تكرار إصدار قرارات عاجلة.

أما د. فوزية العشماوي، رئيسة منتدى المرأة المسلمة الأوروبية، فنبهت إلى أهمية غرس قضية القدس في نفوس النساء كأحد ضمانات توافر بقاء القضية راسخة في نفوس أجيالنا؛ لأن المرأة هي صانعة الأبطال ومربية الرجال، وهذا يتطلب أن تكون هناك وسائل إعلام ووسائل تواصل تركز على النساء باعتبارهن قوة خلاقة وفاعلة في صنع خطاب إسلامي تحفيزي قوي تجاه ضد كل المعتدين على المسلمين في مختلف قارات العالم، وعلى رأسها قضية فلسطين وخاصة القدس.

وحذرت العشماوي، في تصريحاتها لـ»المجتمع»، من ضياع هوية الأجيال المسلمة الجديدة في الدول غير الإسلامية، وخاصة في الغرب حيث يتعرضون لذوبان هويتهم، وبالتالي فإنهم يكونون فريسة للإعلام الغربي الذي يقوم بعملية غسيل أدمغة لهم دون معاناة مما يجعلهم من أنصار الباطل الذي يمتلك أدوات قلب الباطل حقاً، والحق باطلاً.

ولفتت إلى أنه كفانا بكاء على اللبن المسكوب، ولنبدأ مرحلة جديدة ليكون لنا خطاب تحفيزي وعقلاني مقنع في مخاطبة الآخر الذي كوَّن صورة خاطئة عن القضية لتقصيرنا في توضيح الحقائق له.

لا سلام دون القدس

«لا سلام دون القدس»، هكذا بدأ د. عبدالحميد متولي، رئيس المجلس الأعلى للأئمة والشؤون الإسلامية بالبرازيل، كلامه مع «المجتمع»، مؤكداً أن خطابنا الديني ينبغي أن يكون بهذا الوضوح، لتعود الأمة كلها مؤمنة بحقها الأصيل، غير مستعدة للتخلي عنه.

وأكد أن استرداد الحق العربي والإسلامي في القدس عامة وفلسطين خاصة يتطلب إستراتيجية متكاملة بين دول الأغلبية والأقلية المسلمة لنشر الوعي بهذه القضية المصيرية بين مسلمي القارات الست من جانب، ثم التحرك الواعي المستند إلى حقائق تاريخية وشهادات دولية منصفة من غير المسلمين المتعاطفين مع الحق الفلسطيني، ثم الإلمام بالقرارات الدولية المتعلقة بالقضية منذ بدايتها حتى الآن، سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية عامة، وكذلك قضية القدس خاصة؛ لأنها تمثل القلب من المشكلة لارتباطها بالمقدسات الإسلامية والمسيحية، وكذلك مزاعم اليهود الصهاينة الذين يحاولون تزييف التاريخ من خلال الحفريات التي لم يتم من خلالها العثور على شيء ذي قيمة، وهذا ما اعترفت به مؤخراً «اليونسكو».

واقترح متولي استناد الخطاب العربي والإسلامي المتعلق بالقدس إلى التخطيط والمرونة والقدرة على فهم الأوضاع الدولية التي تختلف من مكان لآخر، ومن وقت لآخر، وهذا يتطلب، بحسبه، ما يمكن أن نطلق عليه «مجلس حكماء»، مكوناً من عقول الأمة الواعدة في مختلف المجالات ومن كل قارات العالم، ويتم اختيارهم حسب كفاءاتهم بصرف النظر عن مناصبهم الرسمية، وأن يكونوا ممن يتصفون بالعلم والقدرة على الحوار والإقناع، وإجادة اللغات، وأن يكونوا قادرين على التعامل والتواصل مع الإعلام الدولي؛ لأننا نعيش في عالم قطع فيه الصهاينة وأنصارهم من أتباع تيار الصهيونية المسيحية شوطاً طويلاً في السيطرة على الإعلام الدولي وتوجيهه وفقاً لمصالحهم والدفاع عن باطلهم؛ لدرجة أنه أصبح قادراً على جعل الحق باطلاً، والباطل حقاً أمام الرأي العام العالمي.

وطالب رئيس المجلس الأعلى للأئمة والشؤون الإسلامية بالبرازيل أن يكون لهذا المجلس ممثلون في مختلف دول العالم ليكونوا أشبه ما يكون بـ»لوبي» عربي إسلامي، بدلاً من الوضع الحالي الذي يصدق عليه القول الشهير الدقيق للشيخ محمد الغزالي: «المسلمون محامون فاشلون لقضية عادلة، والصهاينة محامون ناجحون لقضية ظالمة».