مجلة المجتمع - هل تنزع الجنائية الدولية "الريشة" عن رأس "إسرائيل" وتحاكم قادتها على جرائمهم؟

تطور هام..
هل تنزع الجنائية الدولية "الريشة" عن رأس "إسرائيل" وتحاكم قادتها على جرائمهم؟

يوسف أحمد الخميس، 11 فبراير 2021 12:53

حالة من الرعب تنتاب قادة وجيش الاحتلال الصهيوني منذ موافقة غالبية قضاة المحكمة الجنائية الدولية، 5 فبراير الجاري، على قرار يعتبر الأراضي الفلسطينية (غزة والضفة والقدس الشرقية) تقع ضمن اختصاصها، ما يعني فتح تحقيق في جرائم الاحتلال وملاحقة القادة الصهاينة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في غزة والضفة الغربية، والقدس.

قادة وجنود الاحتلال، ظلوا "على رأسهم ريشه"، بحسب حقوقيين دوليين، وأمنين من المثول أمام هذه المحكمة التي أنشئت لمحاكمة أفراد عكس محكمة العدل الدولية التي تُحاكم دول، بسبب حجج تتعلق بعدم انضمام دولهم إلى المحكمة وهو شرط لتدخل المحكمة، ولكن جاء انضمام فلسطين للمحكمة ووقوع الجرائم على أرض فلسطين ليفتح باب محاكمة المعتدين لأول مرة.

وفي أعقاب انضمام فلسطين إلى عضوية المحكمة الجنائية، أول يناير 2015م، وإعادة انتخابها بالإجماع، للمرة الثانية على التوالي، عضواً في المكتب التنفيذي للجنائية الدولية، 19 ديسمبر 2020م، ما أعطاها شرعية قانونية لمواجهة الاحتلال والجرائم الصهيونية، طالبت السلطة الفلسطينية بالتحقيق في جرائم الحرب الصهيونية والعدوان على غزة 3 مرات.

وعام 2019م، قالت المدعية العامة للمحكمة فاتو بنسودا: إن هناك "أساساً معقولاً" لفتح تحقيق في جرائم الأعمال العسكرية الصهيونية بقطاع غزة، والنشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، لكنها طلبت إقرار قضاة المحكمة بهذا الاختصاص، وهو ما حصلت عليه رسمياً، في 5 فبراير الجاري، ليبدأ ملاحقة الصهاينة.

200 مجرم صهيوني واستعدادات

ولخطورة الأمر، تحركت دولة الاحتلال وعينت ضابطاً رفيعاً للدفاع عن جنودها أمام الجنائية الدولية، ونشرت صحفها ما قالت: إنها "قائمة سرية" تضم 200 قائد وسياسي صهيوني متهمين بجرائم حرب ومتوقع طلبهم للتحقيق.

وعيّن جيش الاحتلال الإسرائيلي ضابطاً برتبة "فريق أول" على رأس فريق من القانونيين للدفاع عن جنوده، حال إطلاق المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاً رسمياً بالحالة في فلسطين.

وقالت صحيفة "إسرائيل اليوم": إن الجيش عيّن الفريق أول إيتاي فيروف "لتنسيق جميع جوانب المعركة القانونية في وجه المحكمة الجنائية الدولية"، وأن فيروف يعمل كرئيس لفريق يضم خبيرًا في القانون الدولي، وهو المسؤول حاليًا عن الكليات العسكرية في الجيش "الإسرائيلي"، ويشرف أيضًا على جميع التحقيقات العملياتية في الجيش.

أيضاً سعى الجيش الصهيوني لطمأنة جنوده وقادته المجرمين في تصريح رسمي قال فيه: "سيقوم الجيش بحماية كافة جنوده وضباطه، من نظاميين واحتياطيين"، وأضاف: "الجيش الإسرائيلي على أتم الاستعداد لتقديم الدعم والمساعدة لجنوده وقادته، وفق ما تطلبه الحاجة".

ويخشى الجيش "الإسرائيلي" إصدار المحكمة مذكرات اعتقال أو ملاحقة قادته وجنوده، في حال إطلاق تحقيق جنائي بشبهة ارتكاب مسؤولين وجنود "إسرائيليين" جرائم في الأراضي الفلسطينية.

وحتى الآن، لم تعلن المحكمة الجنائية الدولية قرارها إطلاق تحقيق رسمي بالحالة في فلسطين، و"إسرائيل" ليست عضواً بالمحكمة الجنائية الدولية، ولكنها تنفي أيضاً صفة الدولة عن فلسطين، التي قبلتها المحكمة الدولية عضواً فيها بصفتها دولة.

وسبق أن كشفت صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية، في 16 يوليو 2020م، النقاب عن قائمة سرية أعدتها "إسرائيل"، تضم بين 200 إلى 300 مسؤول تقلدوا مناصب عسكرية وسياسية واستخبارية محتمل محاكمتهم.

وقالت: إن القائمة معدة لتنبيههم تحسباً لاحتمال تعرضهم للاعتقال خلال سفرهم للخارج، بتهمة ارتكاب جرائم حرب بالأراضي الفلسطينية، حال بدء المحكمة تحقيقاتها.

ومن بين الأسماء التي قد تكون مطلوبة للتحقيق في محكمة الجنايات الدولية، رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزير الحرب السابق أفيغدور ليبرمان، ورئيس حزب "أزرق-أبيض" بيني غانتس، ورئيس أركان جيش الاحتلال أفيف كوخافي وآخرون، لا سيما قادة أركان سابقين، ووزراء الحرب، ورؤساء جهاز الأمن العام (الشاباك)، وقادة ألوية بالجيش، ورؤساء مجالس المستوطنات.

قرار مهم.. ولكن!

ترجع أهمية قرار المحكمة الجنائية الدولية الذي تأخر قرابة 6 سنوات، منذ انضمام فلسطين للمحكمة عام 2015م، لأنه يدعو العدو الصهيوني ضمناً إلى الانسحاب من المناطق المحتلة عام 1967م، لأن المحكمة تعتبر من الناحية القانونية أن الضفة الغربية وقطاع غزة وشرقي القدس مناطق فلسطينية تخضع لاحتلال عسكري "إسرائيلي".

كما أن القرار لا يسمح فقط بالتحقيق في جرائم الحرب الصهيونية بالأراضي المحتلة، بل ويعتبر الاستيطان في الضفة "جريمة حرب" أيضاً وسيحقق فيه.

والأهم أن القرار يُذكّر العالم مجدداً بطابع هذا الكيان الصهيوني الذي قام على الإجرام ونهب الأرضي، كما يفضح تهاوي سردية المتهافتين على التطبيع معه.

القرار أيضاً "تاريخي"؛ لأنه وهو يُؤكدُ ولاية المحكمة القضائية في التحقيق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالضفة وغزة والقدس، يأخذ عضوية فلسطين بالاعتبار، فهو يثبت ولاية السلطة الفلسطينية على الأراضي المحتلة والقدس منذ عام 1967م ولا يعترف بضمها لـ"إسرائيل"، حيث نص قراره على ولايتها علي "غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية".

وهناك فارق بين القرار، والقدرة على تنفيذه، فالقرار يتوقع أن يواجه عقبات عدة، أبرزها سعي أمريكا و"إسرائيل" لإحباطه، واستنفار إدارة بايدن، التي تضم 11 مسؤولاً يهودياً، ضده لجعله كأن لم يكن.

وهناك أيضاً تساؤلات حول: هل ستُفعّل سلطة عباس القرار وتستفيد منه، أم أنها ستُخضعه لمصالح متنفذيها وبوصلة بايدن في ظل استمرار مواصلتها التعاون الأمني مع المحتل؟

فهناك سابقة في أغسطس 2014م تمثلت في سحب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وتحت ضغوط غربية، شكوى أودعتها السلطة لدى الجنائية الدولية ضد الجرائم التي اقترفها الجيش "الإسرائيلي" في غزة خلال عدوان 2014م، وكرر نفس الأمر في عدوان 2009م بسحب شكوى مشابهة.

هذا يعني عدم الاعتراف بدعاوي "إسرائيل" أن المحكمة ليس لديها مثل هذه الصلاحيات، بدعوى إن "السلطة الفلسطينية ليست دولة ذات سيادة".

ما القضايا التي ستحقق فيها المحكمة؟

ستنظر المحكمة الجنائية الدولية في الأنشطة التي وقعت منذ 13 يونيو 2014م وسيقتصر نطاق التحقيق على الحوادث التي وقعت على حدود ما قبل عام 1967م في القدس الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة.

وهذا يشمل مدينة القدس القديمة، والحائط الغربي، والحرم الشريف، لمسؤولية الصهاينة عن تلك الأفعال، حتى وإن لم تكُن "إسرائيل" طرفاً في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ لأن السلطة الفلسطينية وقّعت على النظام عام 2015م.

وأهم القضايا الثلاث الرئيسة التي ستُحقّق فيها المحكمة على الأرجح، هي:

الأولى: حرب غزة عام 2014م، ويشمل ذلك استخدام الصهاينة أسلحة محرمة مثل الفوسفور ومشتقات اليورانيوم وأيضاً هجمات الصواريخ العشوائية بواسطة المقاومة الفلسطينية و"حماس".

والثانية: استخدام جيش الاحتلال للقوة الغاشمة ضد "مسيرات العودة الكبرى" التي قادتها "حماس" بطول حدود غزة، التي انطلقت في مارس 2018م، وانتهت في ديسمبر 2019م.

والثالثة: النظر في قضية ما إذا كانت الأنشطة الاستيطانية بالضفة الغربية والبناء اليهودي في القدس الشرقية منذ عام 2014م، يمكن اعتبارهما جرائم حرب، كما من الممكن النظر في تجريف "إسرائيل" المباني الفلسطينية بشكلٍ عرضي، ولكنّها لن تكون قضية رئيسة.

هل تنحرف المحكمة وتحاكم "حماس"؟

هناك قلق كبير من أن تنحرف المحكمة وتحاكم حركات المقاومة الفلسطينية وتصدر أحكاماً ضدها وتتقاعس عن محاكمة الصهاينة بالمثل في أعقاب قبول الجنائية الدولية اختصاص التحقيق في جرائم داخل فلسطين.

فهناك قرار سابق من المحكمة يونيو 2014م تحدث عن "البحث في انتهاكات من الطرفين"؛ أي "الإسرائيليين" والفلسطينيين، وبيان "الادعاء"، وقيل حينئذ: إنه سيتم بحث أدلة تسمح بتوجيه اتهامات للطرفين".

ولو حدث هذا، سيجري اعتبار رد المقاومة على العدوان بإطلاق الصواريخ على بلدات إسرائيلية أيضاً "جرائم حرب"، ويتهمون "حماس" وحركات المقاومة، بدعوى أنهم أطلقوا صواريخ عشوائية على المدنيين "الإسرائيليين".

وسبق لبنسودا، مدعي عام الجنائية، أن ألمحت في حديث لصحيفة "هاآرتس"، في 23 ديسمبر 2019م، لاحتمال تقديم مسؤولين ونشطاء من الفصائل الفلسطينية إلى هذه المحكمة أيضاً.

وقد تقدّمت الحكومة "الإسرائيلية" بالفعل بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي، في 28 أغسطس 2014م، ضد حركة "حماس"، تدعي استخدامها للمدنيين في غزة كـ"دروع بشرية".

وذلك رداً على دعاوى تطالب بمحاكمة مجرمي الحرب "الإسرائيليين" لقتلهم حوالي 2139 شهيدًا بينهم 579 طفلًا و263 امرأةً و102 مسنّ، وجرح حوالي 11128 بينهم 3374 طفلًا و17 صحافيًّا، عام 2014م.

لذلك جاء ترحّيب حركة "حماس" بقرار المحكمة الجنائية الدولية، القاضي بولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، مشدداً على أنها "خطوة مهمة لإنصاف ضحايا الاحتلال الصهيوني".

ودعت إلى ضرورة "استكمال الخطوات المطلوبة لمحاسبة مجرمي الحرب الصهاينة في المحاكم الدولية"، و"مواجهة الضغوطات المتوقعة".

تاريخ انحراف نشأة الجنائية الدولية

حين نشأت الجنائية الدولية كأول محكمة جزاء دولية (دائمة)، بدلاً من قيام مجلس الأمن بتشكيل محاكم خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب في العالم، أستبشر بها ضعفاء العالم ظناً أنها ستعوضهم عن ظلم الدول الكبرى وتعيد التوازن.

شجع هذه النوايا الحسنة، أن عدم توقيع أي دولة، مثل أمريكا أو "إسرائيل"، على المعاهدة لا يعفي مسئوليها من المحاكمة، طالما صدقت الدولة التي وقعت فيها الجرائم على المعاهدة.

وكذا قبول المحكمة دعاوى أفراد وجماعات، وليس فقط دول، ضد متهمين بجرائم حرب أو إبادة جماعية أو عدوان، بشرط أن تكون هذه الجرائم تمت بعد أول يوليو 2002م وليس بأثر رجعي.

فالفارق بين "الجنائية الدولية" و"محكمة جرائم الحرب" أن الثانية تحاكم دولاً، في حين أن الأولى تحاكم أفراداً أيضاً ترفض حكوماتهم أو تتغاضى عن محاكمتهم.

ولكن شيئاً فشيئاً ظهرت عيوب هذه المحكمة، فهي لم تنظر منذ نشأتها سوي في قضايا دول أفريقية فقط، وأصبحت محط سخرية الأفارقة كأنها مخصصة لمحاكمة الأفارقة فقط، وأُطلق عليها –للسخرية– بسبب ذلك اسم "الجنائية الأفريقية".

حيث اقتصر عملها منذ النشأة على التحقيق مع 9 دول أفريقية، ورفضت التحقيق في جرائم الصهاينة والأمريكيين في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من جرائم الدول الأخرى.

وخلال الغزو الأمريكي للعراق وجرائم الحرب ضد العراقيين المدنيين، رفض المدعي العام السابق للمحكمة لويس أوكامبو أكثر من 40 طلباً تقدمت بها منظمات حقوقية عربية ودولية تتعلق بجرائم في العراق وقتل مدنيين.

وتكرر الأمر خلال العدوان الصهيوني على غزة، ورصد أدلة محددة على جرائم حرب مثل استخدام أسلحة كيماوية وفوسفور ضد المدنيين بالصوت والصورة.

ولكن أوكامبو والجنائية الدولية رفض أيضا هذه الطلبات بدعوي عدم توافر أدلة، وادعاء أن العراق و"إسرائيل" ليسا منضمين لمعاهدة روما المنشئة للمحكمة.

أيضاً رفضت المحكمة التحقيق في جرائم قتل سلطة عبد الفتاح السيسي في مصر لمعارضيها بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، وما تبعه من مذابح أكدتها منظمات دولية رغم أن مصر عضو في المحكمة.

الأغرب أنه برغم أن السودان ليس عضواً في المحكمة، وغير ملزم بتحقيقاتها بموجب مواد ميثاق روما، فقد أصدرت المحكمة مذكرة اعتقال للرئيس السابق عمر البشير يوم 4 مارس 2009م، ما أثار تساؤلات عن "تسييسها".

قرار الجنائية الدولية بشأن فلسطين قرار مهم بالفعل، ولكن هناك مخاوف أن يجري استغلاله بطريقة سيئة وقصره على محاكمة المقاومة الفلسطينية في ظل العجز عن ملاحقة قادة الاحتلال، وحماية أمريكا لهم.

آخر تعديل على الخميس, 11 فبراير 2021 13:48

mugramadan-2021

مجتمع ميديا

  • أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم!

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153