مجلة المجتمع - حفتر يغازل المجلس الرئاسي.. تغير إستراتيجي أم تكتيك مؤقت؟

مهدد بعقوبات دولية، ويحتاج حصانة لمنع مصادرة أملاكه في فرجينيا الأمريكية، ورحيل ترامب سيفقده مزيدا من الحلفاء، وخياره العسكري سقط في الماء مع توازن القوة
حفتر يغازل المجلس الرئاسي.. تغير إستراتيجي أم تكتيك مؤقت؟

الأناضول الثلاثاء، 09 فبراير 2021 11:16

فاجأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر الكثير من المتابعين للملف الليبي، بإعلان مليشياته دعمها للسلطة التنفيذية الجديدة، التي لا يوجد بين أعضائها الأربعة من أيّد هجومه الأخير على العاصمة طرابلس.

وأكثر ما يثير الاهتمام في تصريحات أحمد المسماري، الناطق باسم مليشيات حفتر، أنه اعترف بسلطة المجلس الرئاسي الجديد حتى قبل منح مجلس النواب الثقة لحكومة الوحدة الوطنية كما اشترطت حكومة عبد الله الثني، التابعة لهم (غير معترف بها دولياً).

وقال المسماري، في تصريح تلفزيوني: المجلس الرئاسي هو القائد الأعلى للجيش الليبي، وهذا الأمر يُحتم أن يكون هناك تنسيق وتعاون كبير، مع مليشيات حفتر.

ويضيف المسماري، في لهجة غير معهودة من مليشيات حفتر: نحن نقع تحت السلطة (المجلس الرئاسي) والقانون والدستور.

القبول بالخضوع لسلطة مدنية

منذ العام 2016، رفض حفتر الاعتراف بسلطة المجلس الرئاسي على مليشياته، ولم يقبل بعدة مبادرات لتولي القيادة العامة للجيش، مقابل أن يخضع لسلطة مدنية.

فطبقاً للاتفاق السياسي الموقع نهاية عام 2015، المجلس الرئاسي يمثل القائد الأعلى للجيش، وله سلطة عزل القائد العام للجيش، وهو ما اعترض عليه الجنرال الانقلابي.

ومارس حفتر، بالتحالف مع رئيس مجلس نواب طبرق عقيلة صالح، دوراً رئيساً في عرقلة منح البرلمان الثقة لحكومة الوفاق الوطني، طيلة 5 سنوات.

بل عمل على إسقاط حكومة الوفاق، وتقويض سلطتها في شرق البلاد وجنوبها، قبل أن يشن هجوماً كبيراً على معقلها بالعاصمة طرابلس في 4 أبريل 2019، للإجهاز عليها.

وحتى بعد فشل هجومه الذي استغرق 14 شهراً، سعى حفتر لفرض نفسه رئيساً للبلاد، عبر ما أسماه "تفويضاً شعبياً"، لكن هذا المشروع سقط في الماء ولم يلق أي ترحيب دولي، وتصدى له حليفه عقيلة صالح، الذي أصبح ينافسه على السلطة والنفوذ في شرق ليبيا بدعم قبلي وأيضاً روسي ومصري.

ورغم الترحيب الداخلي والدولي الواسع للسلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا، فإن أصواتاً قليلة داعمة لحفتر عبرت عن رفضها للمجلس الرئاسي الجديد بقيادة محمد المنفي ورئيس الحكومة عبدالحميد دبيبة.

ما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان ترحيب حفتر السريع بالسلطة التنفيذية الجديدة تغير إستراتيجي نحو السلام، أم خطوة تكتيكية لتفادي العاصفة؟

قلق من عقوبات أمريكية

لا شك أن رحيل دونالد ترمب من البيت الأبيض وصعود جو بايدن لرئاسة الولايات المتحدة أثَّر بشكل سريع في المشهد الدولي إجمالاً، وخاصة على حلفاء حفتر وعلى رأسهم السعودية والإمارات، في ملف حرب اليمن وقضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018.

واستبق حفتر أي موقف أمريكي ضده، بإعلانه خضوعه للسلطة المدنية الجديدة.

فالأمم المتحدة وعدة دول غربية، بما فيها فرنسا الداعمة لحفتر، هددت بفرض عقوبات على المعرقلين للحوار الليبي.

ولا يملك حفتر مساحة واسعة للمناورة بعد رحيل حليفه ترمب عن البيت الأبيض، صاحب "الضوء البرتقالي"، فلم يعد أمامه سوى "أضواء حمراء" مع استلام بايدن للسلطة.

ورغم أنه هدد، في ديسمبر 2020، بخوض حرب جديدة في ليبيا ضد تركيا، قبل استلام بايدن للحكم رسمياً في 20 يناير الماضي، فإن أقرب حلفاء حفتر الدوليين (باستثناء الإمارات) لم يعودوا يثقون في قدرة مليشياته على تحقيق نصر سريع للسيطرة على طرابلس.

إذ سبق لحفتر أن نجا من عقوبات دولية طالت حليفه عقيلة في عام 2016، بفضل "الفيتو" الفرنسي، لكن وضعه الحالي هش على عدة أصعدة، وأوراق باريس أصبحت مكشوفة، وقد لا تستطيع حمايته هذه المرة، بل وقد تبادر بمعاقبته.

البحث عن حصانة

يضيق الخناق يوماً بعد يوم حول عنق حفتر، في قضيتين مرفوعتين ضده أمام محكمة فيدرالية أمريكية بولاية فرجينيا، بتهمة ارتكاب جرائم حرب، بعدما رفض وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو رمي حبل النجاة له.

إذ تجنب بومبيو، قبل مغادرته منصبه، الرد على مراسلة المحكمة بشأن ادعاء فريق الدفاع عن حفتر بأنه يتمتع بحصانة رئاسية أو شبه رئاسية، ما يعني ضوءاً أخضر للاستمرار في محاكمته.

وفي حال إدانته، قد تتم مصادرة ممتلكاته في الولايات المتحدة والمقدرة بملايين الدولارات، لكن ذلك سيفتح الباب أمام دعوات قضائية أخرى ضد حفتر، ما سيعرقل توليه مناصب عليا في الدولة أو الترشح لرئاسة البلاد.

لذلك لا يستبعد أن تكون مغازلة حفتر للسلطة التنفيذية الجديدة، مناورة للحصول على منصب سيادي (القائد العام للجيش) يمنحه حصانة ضد محاكمته في الولايات المتحدة أو غيرها.

وهجوم كتيبة "طارق بن زياد"، التي يقودها صدام نجل خليفة حفتر، على مقر مليشيا اللواء التاسع "الكانيات" في مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس)، في 2 فبراير الجاري، تدخل ضمن محاولة الجنرال الانقلابي التبرؤ من جرائم "الكانيات" في مدينة ترهونة (90 كلم جنوب شرق طرابلس).

ففي 25 نوفمبر، أدرجت واشنطن مليشيات "الكانيات" التابعة لحفتر ضمن قائمة العقوبات، لتورطها في ارتكاب جرائم تعذيب وقتل، خاصة بعد اكتشاف مقابر جماعية بترهونة ومحيطها، عقب تحرير المدينة في يونيو الماضي.

ويسعى حفتر لترك مسافة بينه وبين "الكانيات" حتى لا يتحمل مسؤولية جرائمها أمام المحاكم الدولية، وقد يضحي بقادتها مستقبلاً إن اضطر لإنقاذ نفسه وأبنائه.

انهيار مشروع الحكم العسكري

مشروع حفتر لحكم ليبيا بالقوة العسكرية وصل إلى منتهاه، وأصبحت هناك قناعة لديه ولقادة مليشياته ولقبائل الشرق الداعمة له استحالة السيطرة على طرابلس، ما دامت تركيا واقفة إلى جانب الشرعية بما تملكه من ثقل عسكري ودبلوماسي واقتصادي.

وحفتر ليس عاجزاً فقط عن الهجوم مجدداً على طرابلس لتوازن القوة، بل قد يفقد معاقله في الشرق والجنوب.

قواعده تتململ، والمظاهرات التي شهدتها المنطقة الشرقية العام الماضي والاحتجاجات في محافظة الجفرة الإستراتيجية (وسط) وفي الجنوب تعكس غضب المواطنين الذين لم يعودوا يخشون قبضته الحديدية كما في السابق، رغم عودة مسلسل الاغتيالات إلى مدينة بنغازي (شرق).

لم يعد حفتر يمتلك من خيار واقعي سوى الانضواء تحت السلطة الجديدة لتجنب نهاية مأساوية، في ظل مشهد دولي يعيد ضبط ساعته على توقيت الحاكم الجديد في البيت الأبيض.

آخر تعديل على الثلاثاء, 09 فبراير 2021 11:40

mugramadan-2021

مجتمع ميديا

  • أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم!

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153