مجلة المجتمع - الملف الليبي على صفيح ساخن بين أنقرة وباريس وموسكو وواشنطن

الملف الليبي على صفيح ساخن بين أنقرة وباريس وموسكو وواشنطن

محمد صادق أمين الخميس، 18 يونيو 2020 12:08

شهدت الساعات الـ24 الماضية حراكاً دبلوماسياً دولياً ساخناً حول الملف السياسي للأزمة الليبية، فالطرف التركي الأقوى في المعادلة يسعى لتعزيز مكاسبه السياسية والاقتصادية والعسكرية، عبر إيفاد وفد رفيع المستوى إلى طرابلس.

في المقابل، باريس التي تجر أذيال الهزيمة تبعاً لحليفها الوحيد الذي راهنت عليه، اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي اندحرت ميلشياته بعيداً عن العاصمة طرابلس، بعد أن دق ساعة الصفر مراراً بدعم دولي وإقليمي لاحتلالها، فباتت معاقله في الشرق تحت التهديد بعد أن لم يتبقَّ له في الغرب الليبي سوى سرت، التي تشهد جهوداً دولية لمنع حكومة الوفاق من إطلاق عملية عسكرية لتحريرها.

وفد تركي لتعزيز التحالف

استقبلت طرابلس وفداً تركياً رفيع المستوى، ضم وزيري الخارجية مولود جاووش أوغلو، والخزينة والمالية برائت البيراق، وسفير أنقرة لدى طرابلس سرحان أكسن، ورئيس المخابرات هاكان فيدان، إضافة إلى عدد من كبار مسؤولي الرئاسة والحكومة التركية.

وكان على رأس مستقبلي الوفد من الطرف الليبي فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق التي يعترف بها المجتمع الدولي، ووزراء الخارجية محمد الطاهر سيالة، والداخلية فتحي باشاغا، والمالية فرج امطاري، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله، وسفير ليبيا لدى الاتحاد الأوروبي حافظ قدور.

وبحسب بيان صادر عن المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فإن الجانبان بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي بين بلديهما.

وأشار البيان إلى أنه جرى خلال الاجتماع متابعة تنفيذ مذكرة التفاهم الأمني والعسكري الموقعة بين البلدين، في نوفمبر 2019، خاصة ما يتعلق بالتعاون في بناء القدرات الدفاعية والأمنية الليبية من خلال برامج التدريب والتأهيل والتجهيز، إضافة إلى المستجدات بشأن مذكرة التفاهم حول تحديد الصلاحيات البحرية.

وتأتي زيارة الوفد التركي وسط أنباء تحدثت عن سعي أنقرة لتعزيز تعاونها العسكري مع حكومة الوفاق، من خلال نشر قوات في قاعدة الوطية الجوية غربي البلاد، وفي قاعدة مصراتة البحرية.

جدير بالذكر أن الدعم التركي ساعد حكومة الوفاق الشرعية في تحقيق انتصارات متلاحقة ضد مليشيات حفتر الانقلابية، التي شنت بدعم من دول أوروبية وعربية عدواناً على العاصمة الليبية، في أبريل 2019، بهدف إسقاط حكومة السراج والسيطرة عليها، وتسبب العدوان بسقوط قتلى وجرحى بين المدنيين فضلاً عن الدمار الواسع الذي طال البنى التحتية وممتلكات الليبيين.

وحققت الحكومة الشرعية في الأسابيع الماضية إنجازات ميدانية مهمة، أبرزها تحرير كامل الحدود الإدارية للعاصمة طرابلس، ومدينة ترهونة، وكامل مدن الساحل الغربي، وقاعدة الوطية الجوية، وبلدات بالجبل الغربي.

باريس تفقد توازنها

انتصارات حكومة الوفاق الشرعية قلبت المعادلة في الملف الليبي، فالأطراف العديدة التي وضعت بيضها كله في سلة حفتر، باتت على يقين أنها راهنت على الحصان الخاسر، وأن مصالحها أصبحت في مهب الريح التركية.

وبعد أن فقدت القاهرة توازنها عسكرياً، وراحت تستعرض قواتها على الحدود الليبية، فيما تهدد إثيوبيا بتعطيش المصريين، دخلت باريس على خط فقدان التوازن السياسي، وراحت تهاجم أنقرة وتطالب بمحاسبتها على دورها "غير المقبول" في ليبيا.

واتهم مسؤول بوزارة الدفاع الفرنسية البحرية التركية بـ"التحرش" بسفينة حربية فرنسية تنفذ مهمة لحلف شمال الأطلسي (الناتو).

ونقلت وكالة "رويترز" للأنباء، عن المسؤول الذي لم تسمه، قوله: إنه ينبغي لحلف شمال الأطلسي ألا يدفن رأسه في الرمال فيما يتعلق بتصرفات تركيا الأخيرة تجاه أعضائه.

وأضاف المسؤول بوزارة الدفاع الفرنسية أن الوقت قد حان لأن يجري الحلف نقاشاً صريحاً بشأن تركيا وتصرفاتها، ليس فقط في ليبيا، ولكن هناك قضايا أخرى مثل شرائها منظومة "إس-400" الدفاعية الروسية وتعطيلها خطط الحلف الدفاعية لمنطقة البلقان وبولندا.

ونقلت "رويترز" عن مسؤول تركي نفهيه الاتهام الفرنسي جملةً وتفصيلاً، وقال: لم يحدث شيء من هذا القبيل.

وكان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أدان، الإثنين الماضي، ما وصفه بـ"الدعم العسكري المتزايد" لحكومة الوفاق الليبية من قبل تركيا، مشيراً إلى أن ذلك يعتبر "انتهاكاً مباشراً لحظر الأمم المتحدة".

وفي ذات السياق قال "الإليزيه": إن التدخلات التركية في ليبيا غير مقبولة، مؤكداً أن فرنسا لا يمكنها السماح بذلك.

وتعتبر باريس من أهم داعمي حفتر، حيث استقبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عدة مرات في الإليزيه، في مسعى منه لإضفاء الشرعية عليه رغم أنه لا يمتلك أي صفة رسمية في الدولة الليبية، ولا يعترف ويحارب حكومة الوفاق الشرعية.

وكشفت حادثة مقتل 3 جنود فرنسيين بسقوط مروحيتهم بمدينة بنغازي، في فبراير 2016، حقيقة الدعم العسكري الذي تقدمه فرنسا سراً للمليشيات الانقلابية، كما ضبط الأمن التونسي 13 فرنسياً يحملون أوراقاً دبلوماسية، وبحوزتهم أسلحة وذخيرة على الحدود الليبية مع تونس.

وكشف موقع "الرادار العسكري" الإيطالي المتخصص بمتابعة حركة الملاحة الجوية العسكرية وأعمال التجسس والاستطلاع، في فبراير الماضي، عن خرق طائرة تزود بالوقود من طراز "بوينج C-135FR" تابعة لسلاح الجو الفرنسي، الأجواء الليبية.

وأكد الموقع أنه تم تتبع الطائرة على الطريق المعتاد إلى وسط البحر الأبيض المتوسط، لكن عندما كانت بين سردينيا (جزيرة إيطالية) وتونس فقدنا الإشارة، وبعد 3 ساعات ونصف ساعة ظهرت الإشارة مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت الطائرة تحلق باتجاه الشمال عائدة إلى فرنسا.

وأشار الموقع إلى أن الطريق الذي سلكته الطائرة هو المسار المعتاد الذي تتبعه طائرات تزويد الوقود الفرنسية التي أدت مهمة قبالة طرابلس، وأيضاً الفارق الزمني الذي يتناسب مع مهمة قبالة طرابلس، ولكن دون أثر واضح.

ترحيب روسي بدور أمريكي

العلاقة بين موسكو وواشنطن، كانت وما زالت علاقة صراع وتنافس على الصعيد الدولي، وفي إطار السعي المحموم من حلفاء حفتر لوقف إطلاق النار، وإنقاذه سياسياً بعد فشله عسكرياً، رحبت روسيا بدور أمريكي في الملف الليبي دعتها إليه أنقرة.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في معرض تعليقه على الدعوة التي وجهها نظيره التركي مولود جاووش أوغلو، إلى الولايات المتحدة، لتفعيل دورها في التسوية الليبية: إذا نجحت الولايات المتحدة في استخدام نفوذها على أطراف النزاع الليبي بهدف دعم جهود روسيا وغيرها من اللاعبين الخارجيين الذين يدعون إلى الوقف الفوري لإطلاق النار، فإنني أعتقد أن هذا الأمر سيكون إيجابياً جداً.

وأضاف في مؤتمر صحافي: أن أي خطوة بناءة في سبيل احتواء الأزمات في ليبيا وسورية وفي أي مكان آخر مرحب بها.

وتابع لافروف: الولايات المتحدة كانت بين المشاركين في مؤتمر برلين الدولي بشأن التسوية الليبية، ووقعت على قرار مجلس الأمن الدولي الذي أيَّد مخرجات ذلك المؤتمر.

يذكر أن أمريكا أبدت انزعاجها في الأسابيع الماضية من التدخل الروسي في ليبيا، وفي هذا السياق؛ قال وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو: إن الوقت قد حان ليعمل جميع الليبيين وجميع الأطراف على ألا تتمكن روسيا أو أي دولة أخرى من التدخل في سيادة ليبيا من أجل أهدافها الخاصة.

وأضاف في تعقيب موجز على الوضع في ليبيا، أن الوضع في ليبيا يسير على طريق التعافي الاقتصادي، وهو ما يتطلب المحافظة على المنشآت النفطية وضمان سيطرة المؤسسة الوطنية للنفط عليها.

وفي ذات السياق، كشف الجيش الأمريكي، في وقت سابق، أن روسيا نقلت طائرات "ميج-29"، و"سوخوي-24" إلى قاعدة جوية ليبية ترافقها طائرات روسية مقاتلة.

وقالت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا: إن روسيا أرسلت طائرات مقاتلة إلى ليبيا عبر سورية لدعم مرتزقة روس يقاتلون إلى جانب قوات حفتر، مشيرة إلى أن الطائرات أعيد طلاؤها في سورية لإخفاء أنها تابعة لسلاح الجو الروسي.

وأضاف الجيش الأمريكي، في سلسلة تغريدات على موقع التدوينات القصيرة "تويتر": أن الطائرات قادها أفراد من الجيش الروسي ورافقتها إلى ليبيا طائرات مقاتلة روسية، بينما يشير إلى مستوى أعلى من التدخل تمارسه موسكو.

ويتوافق الموقف الأمريكي مع ما تسعى إليه أنقرة من تمكين حكومة الوفاق الشرعية من بسط سلطتها، ودحر الاعتداءات التي تهدد وجودها، إضافة إلى تأمين مناطق إنتاج النفط وتسويقه، وانتزاعها من سلطة حفتر.

آخر تعديل على الخميس, 18 يونيو 2020 12:40

مجتمع ميديا

  • المنشاوي في ذكرى ميلاده.. "القارئ الباكي"

إقرأ المجتمع PDF