مجلة المجتمع - القائد الفاتح الفقيه صلاح الدين الأيوبي

آراء

د. يوسف السند

الفوائد التربوية والإيمانية من طبقات الشافعية..
القائد الفاتح الفقيه صلاح الدين الأيوبي

الأحد، 08 نوفمبر 2020 09:00 عدد المشاهدات 1875

 يوسُف بن أيّوب بن شاذي بن مَرْوان، الدُّويتي الأصل، التكريتي المَوْلِد، ودُوِين بضم الدال وكسر الواوِ بعدها آخر الحروف ساكنة ثم نون، بطرَف أذْرَبيجان، من جهة أرَّان أهلها أكراد.

وهو السلطان الملك الناصر، التقيّ النقيّ، العادل الزكيّ، فاتح الفتوح، بركة أهلِ زمانه، صلاح الدين المظفَّر، ابن الأمير الملك الأفضل نجم الدين.

وُلد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة للهجرة، بتَكْريت، إذ أبوه واليها.

وسمع الحديث من الحافظ أبي طاهر السِّلَفِيّ، وأبي الطاهر بن عوف، والشيخ قطب الدين النَّيسابوريّ، وعبدالله بن بَرِّيّ النَّحويّ، وجماعة.

روى عنه يونس بن محمد الفارِقِيّ، والعِماد الكاتب، وغيرهما.

وكان فقيهاً، يقال: إنه كان يحفظ القرآن، و»التنبيه» في الفقه، و»الحماسة» في الشعر.

ومَلَك البلاد، ودانت له العِباد، وأحبّه الخلق، ونصر الإسلام وغزا الفِرِنْج وكسرهم مرّاتٍ، وفتح المدن الكِبار، وأقام في السَّلْطَنة أربعاً وعشرين سنة، يُجاهد في سبيل الله بنفسه وماله.

وكان ملكاً عظيماً شجاعاً مَهِيباً عادلاً، يملأ العيونَ رَوْعةً والقلوبَ محبةً، قريباً بعيداً، عابداً قانتاً لله، لا تأخذه لومةُ لائم، مجلسه يجمع الفضلاءَ والفقراءَ، وأصحابه كأنما هم على قلبِ رجلٍ واحد، محبةً فيه واعتقاداً وطواعيةً.

قَدِم به أبوه إلى دمشق وهو رضيع، فناب أبوه بِبَعْلَبَك لما أخذها أتابِك زَنْكِي في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة للهجرة، وقيل: إن أباه خرج من تِكْريت في الليلة التي وُلِد فيها صلاح الدين فَتطيَّروا به، وقال بعضهم: لعل فيه الخِيرة وأنتم لا تعلمون، فكان كذلك، ثم اتصل والده نَجْم الدين أيُّوب بالملك نور الدين الشهيد، فخدمه هو وولده صلاح الدين هذا خدمةً بالغة.

وكان صلاح الدين من حين اتصل بخدمة نور الدين قد طلَّق اللذات، وكان محبَّباً إليه خفيفاً على قلبه، ولما افتتح مع عمِّه مصر ثم استقل بالوَزارة عَظُمت سَطْوتُه.

وفي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة للهجرة افتتح صلاح الدين بلاد الفِرِنْج، وأسر ملوكهم، وكسرهم على «حِطِّين»، وتوالت عليه الفتوحات وأنقذ بيت المقدس منهم، وافتتحه وأعزَّ الدين.

ومما اقتلعه من يد الفِرِنْج طَبَرِيَّة، وقَتل وأسَر في ذلك اليوم أكثر من أربعين ألفاً، وتسلّم قلعتها، وأُحْضِر إليه صليب الصَّلَبُوت.

ثم افتتح مدينة عَكَّا، وكانت من أعظم حصونهم وأكثر مدنهم، وأقام بها الخُطبة الإسلامية، ثم افتتح البيت المقدس وغيره.

وكانت مملكته من الغرب إلى تُخُوم العِراق، ومعها اليمن والحجاز، فملك ديار مِصْر بأسرها، مع ما انضم إليها من بلاد المغرب والشام بأسرها، مع حَلَب وما والاها، وأكثر ديار ربيعة وبكر والحجاز بأسره، واليمن بأسره، ونشر العدل في الرَّعِيَّة، وحكم بالقِسْط بين البَرِيَّة، مع الدِّين المتين والوَرع والزُّهد والعلم.

قال الموفَّق عبد اللطيف: رأيت السلطان صلاح الدِّين على القُدْس، فرأيت ملكاً عظيماً يملأ القلوبَ رَوْعَةً، والعيونَ محبَّة، قريباً وبعيداً، سهلاً محبَّباً، وأصحابه يتشبَّهون به، يتسابقون بالمعروف، وأول ليلة حضرته وجدت مجلساً حَفِلاً بأهل العلم، يتذاكرون في أصناف العلوم، وهو يحسن الاستماع والمشاركة، ويأخذ في كيفيّة بناء الأسوار وحَفْر الخنادِق، ويتفقَّه في ذلك، وكان مهتمّاً ببناء سور القدس وحَفْر خندقه، يتولّى ذلك بنفسه، وينقل الحِجارة على عاتقه، ويتأسَّى به جميع الأغنياء والفقراء.

وكان الناس يأمنون ظلمه لعدله، ويرجون رِفْده لكثرته، ولم يكن لمُبْطِلٍ ولا لصاحب هَزْلٍ عنده نصيب، وكان إذا قال صدق، وإذا وَعد وَفَّى، وإذا عاهد لم يَخُن، وإذا نازل بلداً وأشرف على أخذه ثم يطلب أهلُه الأمان يُؤمِّنهم، وكان جيشه يتألّمُون لذلك، لفَوات حظِّهم، ولا يسَعُهم إلا وِفاقُه وامتثالُ أمره.

وكان رقيقَ القلب جداً، وربما حَلَّق على مدينة وأحاط بها، فسمع بكاء الحريم فتركها، وإنما يفعل ذلك مع المسلمين(1).

وفاته يرحمه الله:

ولما كانت ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة للهجرة، وهي الليلة الثانية عشرة من مرضه، اشتد مرضُه وضعفت قوّته، والشيخ أبو جعفر يقرأ عنده القرآن، ويذكّره بالله تعالى، وكان ذهنه غائباً من ليلة التاسع، ولا يكاد يفيق إلا في بعض الأحيان، وذكر الشيخ أبو جعفر أنه لما انتهى إلى قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (الحشر: 22)، سمعه وهو يقول: «صحيح».

وكانت وفاته بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء سابع وعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة للهجرة، وأنه لما بلغ الشيخ أبو جعفر إلى قوله تعالى: (لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) (الرعد: 30)، تبسَّم وتهلَّل وجهُهُ وسَلَّمها إلى ربه، وكان يوماً لم يُصَب الإسلام والمسلمون بمثله منذ فُقِد الخلفاء الراشدون وغُشِي القلعة والبلد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا الله(2).

الفوائد التربوية والإيمانية:

- «الجندية طريق القيادة»، فلطالما ردد هذا المفهوم الجلي الذكي أستاذنا العزيز وشيخنا الجليل محمد أحمد الراشد عبر مجلة «المجتمع» منذ عقود مضت، وكنا شببةً لا نفقه هذا جيداً، ولكنه غرس تبناه الراشد الحكيم بعلم وفقه وصدق وإخلاص فلن يضيعه الله تعالى؛ فلقد كان صلاح الدين يرحمه الله تعالى فتىً مؤمناً متعلماً، ثم جندياً ملتزماً مطيعاً، ثم قائداً مغواراً عظيماً.

- القائد المسلم يغلب عليه التواضع مهما امتد ملكه وتمكنت دولته وقوي في الأرض سلطانه وتعددت نعم الله عليه.

- يجب ألا يستعجل طلبة العلم والدعاة على أنفسهم في طلب التصدر والقيادة؛ «فمن تعجل في شيء قبل أوانه عوقب بحرمانه»، بهذا المعنى كان يصدر العلماء نصائحهم وتوجيهاتهم للناشئة والشباب!

- إن البناء المحكم المتزن المتكامل هو البناء القوي الذي يتحمل التبعات ويُعتمد عليه؛ البناء الروحي القلبي، والبناء العبادي الإيماني السلوكي، والبناء الفكري العقدي، والبناء البدني العضلي.

- المربي المؤثر والقائد الرباني لا يستغني عن التعايش مع الأفراد؛ يرونه ويتعلمون منه ويشاهدونه فيفقهون ويعقلون ويقتدون.

- إن القيم الراسخة لتسود بين الناس إذا رأوها حاضرة حية في سلوك القادة والأئمة والدعاة والعلماء.

- الأمة التي تحسن صناعة القادة منصورة رائدة قوية في كل المجالات، مرهوبة الجانب، قوية صلبة تتحدى الصعاب، ويهابها الأعداء، ويتقرب لها الأصدقاء، وهذا هو المطلوب اليوم، بل يجب أن يكون على رأس الأولويات، حسب ما أرى.

- إن محبة الله والتقرب إليه عبادة وذكراً وتبتلاً وتضرعاً تورث العبد روعةً ومحبةً وهيبة.

- ملائكة الرحمن سبحانه تثبّت المؤمنين وتذكّرهم وتبشّرهم حال احتضارهم وموتهم بألا يخافوا ولا يحزنوا، بل تبشّرهم تشوّقهم إلى جنة الله ورضوانه.

والحمد لله رب العالمين.

 

_____________________________________________________________

(1) عبد الوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 7، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي.

(2) علي محمد الصلَّابي، صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس.

آخر تعديل على الأحد, 08 نوفمبر 2020 09:12

مجتمع ميديا

  • د. موسى المزيدي.. القواعد الأساسية لبناء العلاقات

إقرأ المجتمع PDF