7 معارك تربحها مع نفسك في رمضان
رمضان ليس شهر
الامتناع فقط، بل هو شهر الانتصار، شهر الإرادة والعزيمة، والتحمل والقوة، لذلك
كان المسلمون ينتصرون في المعارك التي يخوضونها في رمضان، ومن أسباب ذلك الانتصار
في ميادين الحرب ما تحقق قبل الخروج إلى القتال من انتصار في ميدان جهاد النفس.
قال علي بن أبي
طالب رضي الله عنه: «ميدانكم نفوسكم فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر،
وإن خذلتم فيها كنتم على غيرها أعجز، فجربوا معها الكفاح أولاً»، (مفتاح الأفكار
للتأهب لدار القرار، 1/ 160).
ويشهد لهذا
المعنى ما حدث في غزوة «أُحد»، فحين انهزم بعض المسلمين أمام بريق الغنيمة كانت
الفاجعة بالانكسار بعد الانتصار.
ومن هنا يمكن
القول: إن التربية الجهادية التي يتحصل عليها المسلم في الصيام تجعله ينتصر على
شهواته، ويبني إرادته وعزيمته، بحيث يتهيأ للخروج إلى المجاهدة في سبيل الله.
1- الانتصار على الشهوات:
مثل شهوة الطعام
والشراب وشهوة الفرج وشهوة حب الظهور والرياء، بالصيام الخالص.
ففي صحيح مسلم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا
إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ
فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي».
ولهذا أرشد
النبي صلى الله عليه وسلم الشباب الذين لا يقدرون على الزواج إلى الصوم؛ لأنه
يُضعف سلطان الشهوة ويقوّي سلطان التقوى، ففي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بن
مسعود قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا
مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ،
فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
2- الانتصار على العادات والمألوفات:
تعودت النفس على
أوضاع معينة حتى كادت أن تكون أسيرة لهذه الأوضاع، فيأتي شهر رمضان بنظام حياة
جديد، مختلف عن العادات التي ألفها المسلم، في أوقات طعامه وشرابه، وفي غالب نظام
حياته، ويستطيع أن يتعايش مع الوضع الجديد، بل إنه يشعر معه بالسعادة والطمأنينة
رغم ما قد يحدث من تغيير ومشقة، وفي هذا تمرين للنفس على الخروج من أسر العادات
والمألوفات.
3- الانتصار على الفوضى:
شهر رمضان إنما
هو أيام معدودات، يحسب يوماً بيوم، وليلة بليلة، وهناك مواعيد لبداية الصوم
ونهايته، وهذه تجعل المسلم أكثر إحساساً بالوقت وأكثر حساباً له.
كما أن الإنسان
في غير الصيام قد لا يهتم بتنظيم وقت الطعام والشراب وأحياناً الصلاة، فإذا أتى
الصيام فإن المسلم يبادر إلى الضبط ومواجهة الفوضى.
بل تجده يبادر
إلى هذا الضبط من خلال الحرص على تعجيل الإفطار وتأخير السحور، استجابة لما ورد من
استحباب ذلك، رغم مشقته على النفس أحياناً، ففي مسند أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزَالُ
أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ».
4- الانتصار على سوء الخلق:
ومنه آفات
اللسان ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ
بِهِ، فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
ومنه الغضب ففي
صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ،
فإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ
سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ».
5- الانتصار على البخل:
ففي رمضان ينتصر
المسلم بالعطاء، ومن ذلك: عطاء الصدقات، ففي صحيح البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ،
وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ،
وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ،
فَلَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ
الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ».
ومن مظاهر
الانتصار على النفس في رمضان بالعطاء المبادرة إلى إفطار الصائمين، ففي سنن
الترمذي بسند صححه الألباني عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ
لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ
شَيْئًا».
كما يظهر
الانتصار في العطاء أيضاً في زكاة الفطر، ففي صحيحي البخاري، ومسلم، عَنْ نَافِعٍ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى
الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ».
وفي سنن ابن
ماجه بسند حسنه الألباني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ
اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ»، فهي باب الكرم والجود، حتى لا
يبقى بين الناس محتاج.
فالإنفاق في
رمضان يحرر النفس من أسر المال، ويجعلها أقرب إلى معنى العبودية الصادقة.
6- الانتصار على الغفلة والكسل:
فالنفس في غير
رمضان تنام الليل كله، وتغفل عن صلاة القيام وقراءة القرآن وقيام الليل، أما في
رمضان فإن المسلم يجاهد نفسه فيصلي التراويح، ثم يجاهد نفسه فيقوم للسحور، ثم يصلي
الفجر، ثم يسارع إلى الخيرات، لينال أجر الصيام ويعتق من النيران وتغفر ذنوبه، فهو
مندفع في جهاده لنفسه بما يرغب فيه من تحصيل الثواب، حتى تستقيم نفسه على الطاعة
ويثبت على الصراط المستقيم، ففي القيام وتلاوة القرآن انتصار على الكسل، وعلى
هيمنة الدنيا، وإعادة ترتيب الأولويات لصالح الآخرة.
7- الانتصار على الشيطان:
يعين الله تعالى
عبده المؤمن الصائم بأن يصفد له الشيطان في رمضان، فلا يقطع عليه طريق الصيام، بل
يشعر المؤمن بحلاوة الانتصار في الخشوع وحسن العبادة، كما يعين على ذلك قدرة
المسلم على ترويض نفسه على العبادة حتى تستقيم وتثبت عليها، فلا يستطيع الشيطان
التسلل إليها بعد رمضان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً