5 مقاصد إيمانية للاعتكاف
روى البخاري،
ومسلم، في صحيحيهما عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ
رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ
مِنْ بَعْدِهِ»، فالاعتكاف سُنة من السنن التي كان يحرص عليها النبي صلى الله عليه
وسلم، وكذلك أزواجه وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.
والاعتكاف هو
المكث في المسجد بنية العبادة، وهو خلوة إيمانية ينقطع فيها المسلم عن شواغل
الدنيا، ويتفرغ للعبادة والطاعة، وله مقاصد متعددة، منها ما يأتي:
1- الاجتهاد في العبادة:
حين يخلو المسلم
في الاعتكاف يجتهد في العبادة أكثر من الأيام الأولى في رمضان، والاعتكاف إنما
يكون في العشر الأواخر من رمضان ليكون خير معين على العبادة، ففي صحيح مسلم عن عَائِشَة
رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي
غَيْرِهِا»، وعَنْهَا أنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ،
وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ».
2- طلب ليلة القدر:
أكد النبي صلى
الله عليه وسلم أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، من أجل طلب ليلة القدر، ففي
صحيحي البخاري، ومسلم، عن أبي سعيد الخدري، قال: إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
عليه وسلَّمَ اعْتَكَفَ العَشْرَ الأوَّلَ مِن رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ
العَشْرَ الأوْسَطَ، ثم قال: «إنِّي اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأوَّلَ، أَلْتَمِسُ
هذِه اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ، فقِيلَ
لِي: إنَّهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ، فمَن أَحَبَّ مِنكُم أَنْ يَعْتَكِفَ
فَلْيَعْتَكِفْ، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ معهُ».
3- صلاح القلب وإقباله على الله وأنسه به:
قال ابن القيم:
وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوفُ القلب على الله، وجمعيَّته عليه،
والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغالُ به وحده سبحانه بحيث يصير
ذكره وحبُّه والإقبالُ عليه في محلِّ هموم القلب وخَطَراته، فيستولي عليه بدلَها،
ويصير الهمُّ كلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والفكر في تحصيل مراضيه وما
يقرِّب منه، فيصير أُنسُه بالله بدلًا عن أنسه بالخلق، فيُعِدُّه بذلك لأنسه به
يومَ الوحشة في القبور حين لا أنيسَ له ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف
الأعظم. (زاد المعاد في هدي خير العباد، 2/ 107).
4- الخلوة بالنفس لمحاسبتها وصفائها:
في الاعتكاف
يخلو المسلم بنفسه، فيحاسبها على التعلق بمتاع الدنيا الفاني، والتقصير في العبادة
التي هي المتاع الباقي، كما يحاسب نفسه على ما فاته في مسيرة حياته من العبادات،
وما ينويه في مستقبل أيامه من فعل الخيرات، إنها الخلوة التي ترتقي فيها النفس إلى
الكمالات والتماس النفحات والبركات في معايشة الطاعات، كما يجتهد المعتكف في خلوته
أن يتفكر في نعم الله وفضائله عليه، فيشكرها بالعبادة والطاعة.
بهذا تصفو النفس
وتتجرد لله تعالى، يقول د. وهبة الزحيلي: صفاء القلب بمراقبة الربِّ والإقبال،
والانقطاع إلى العبادة، متجرِّدًا لها ولله تعالى من شواغل الدنيا وأعمالها،
ومسلِّمًا النَّفْس إلى المولى بتفويض أمرها إلى عزيز جنابه، والاعتماد على كرمه
والوقوف ببابه، وملازمة عبادته في بيته سبحانه وتعالى والتقرب إليه ليقرب من
رحمته، والتحَصُّن بحِصنه عزَّ وجلَّ فلا يصل إليه عدوه بكيده وقهره؛ لقوَّة سلطان
الله وقهره، وعزيز تأييده ونَصره، فهو من أشرف الأعمال وأحبِّها إلى الله تعالى. (الفقه
الإسلامي وأدلته، 3/ 123).
5- الوقاية من النار:
روى الطبراني،
والبيهقي، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد عن عبدالله بن عباس أن رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم قال: «من اعتكفَ يومًا ابتغاءَ وجهِ اللَّه تعالى، جعلَ اللَّهُ
بينهَ وبينَ النار ثلاثَ خنادق أبعدَ ما بينَ الخافقين».
ومما يعين على
تحقيق هذه الوقاية من خلال الاعتكاف أنه يجعل المسلم يحافظ على صلاة الجماعة، كما
يحافظ على قيام رمضان، وقراءة القرآن، وحضور مجالس العلم والذكر، ومجالسة الصالحين،
وكلها معينات على التقرب من الله سبحانه وتعالى والفوز بجنته والبعد عن عذابه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً