كيف تختبر نيتك؟

إصلاح النية أخطر قضية (2)

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد: فقد قيل لأحد الصالحين: هيا بنا نشهد الجنازة، فقال لأخيه: انتظر، فلما طال انتظاره سأله: لماذا هذا الانتظار؟ فأجابه: حتى أجدد نيتي لله رب العالمين.

اختبار النيات

تفكرت ملياً في هذه الحادثة فوجدت أن الكثير من الناس متورط فيها، إذا هلك رجل مشهور مما يُشار إليه بالبنان ممن يقال عنه: ما أعظمه ما أكرمه ما أعلمه وهو لا يسوى عند الله جناح بعوضة! ذهب الناس والملأ يتهافتون على قبره وجنازته، ورأيت أصحاب الغنى من الناس يتطلعون ذات اليمين وذات الشمال حتى يراهم أهل الميت وحتى لا يغضبوا عليهم، وأحدهم يشرب السجائر ويجلس على القبور وأحدهم يبيع ويشتري وهو تارك الصلاة، بل ربما وقف يُصلي بلا وضوء خلف الجنازة!

يأتي أولئك يوم القيامة وتأتي قضية جنازة فلان فيأمر الله أن تفتح سجلات هذه الجنازة، من شهدها؟ فلان بن فلان مغمور فقير حافي القدمين، ناحل الجسد، دامع العين، خاشع القلب.

المولى تبارك وتعالى: ضعوا في ميزانه قيراطين القيراط كجبل اُحد.

ومن حضرها؟ فلان بن فلان، صاحب المعالي، صاحب الثراء، صاحب السيارات والعقارات.

انظروا نيته فإذا بها سوداء ما جاء إلى المقابر ولا الجنازة بإخلاص لله فإذا به لا يجدوا في ميزانه حسنة واحدة.

ينبغي أن نتنبه إلى هذه القضية الخطيرة وأن نعالج قلوبنا وأنفسنا فإن أصعب علاج هو علاج النفوس.

بين فساد العمل وصلاح النية

ومن الأمور التي تثير العجب ونراها كثيراً، هؤلاء الذين يتظاهرون بالصلاح ويكتبون في قضايا الوطن والوطنية، ويكتبون مدافعين عن حقوق الآخرين، ولهم أقلام سيالة، ولهم صحف منشورة، تراهم يهاجمون الحجاب وثوابت الدين ثم يوقعون في أواخر كلامهم والله من وراء القصد؛ أي وراء النية.

خطورة الرياء

والرسول صلى الله عليه وسلم يحذر أمته فيقول: «الشرك يجري من ابن آدم مجرى الدم»، والرياء هو الشرك الأصغر، والشرك مع الرياء مع الشيطان يقترنون لإحباط العمل يوم القيامة.

والله أخبر عن عاقبة هذه المسألة الرهيبة يوم القيامة: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً) (الفرقان: 23)، وقال: (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران: 188).

يأتي كثير من الناس بأعمال شتى، منهم من تحمل بناء مسجد أو صلاة بالناس أو كان ذاكراً لله أو تعلم قرآناً وعلمه يأتي فيجد كل ذلك هباء منثوراً، لماذا؟ لأنه لم يخلص النية.

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «إن أول الناس يقضي عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت حتى استشهدت، قال: كذبت ولكن قاتلت لأن يُقال جريء، فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، لكنك تعلمت ليُقال عالم، وقرأت ليُقال هو قارئ فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال: كذبت ولكنك فعلت ليُقال هو جواد، فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه ثم أُلقي في النار» (أخرجه مسلم).

فدل ذلك على أن هؤلاء ظاهر أعمالهم صالح، ولكنه لم يقبل لأنهم لم يخلصوا لله رب العالمين، وإنما فعلوا ذلك رياء وسمعة، فكان مصيرهم النار ولذلك في الحديث القدسي عن الله عز وجل: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (صحيح مسلم).

بين سلامة القلب وسلامة العبادة

قال تعالى في كتابه الكريم: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ) (الزمر: 2).

وهذا إبراهيم عليه السلام يعلمنا الدعاء: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ {87} يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ {88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: «اللهم إني أسألك قلباً سليماً»، فهو سليم من الآفات والمكروهات كلها.

الإنسان إذا انطمست عنده معاني الإخلاص والصدق أصبح لا يراقب إلا الناس ومدحهم له والثناء عليه فتكون فيها المهلكة، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلاً جاء يمدح أخاه قال: «قتلته قطعت عنقه، انثروا في وجه المداحين التراب»؛ لأن الإنسان عندما يُمدح كثيراً يعتاد المدح ويتربى على حب المدح وينسى عطاء الله وثوابه والعمل المخلص لله رب العالمين.

وإذا أردت أن تعرف أين أنت من ذلك؟ فليستوي عندك مادحك وذامك، سواء في الحق والباطل، أما إذا جاءك الذي يمدح ففرحت، وإذا جاءك الذي ينصح غضبت فلتراجع نفسك في نيتك.


اقرأ أيضا

إخلاص النية أخطر قضية(1)

شرح حديث النية

===================

المصدر: موقع الشيخ أحمد القطان

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة