"رمضان بطلًا".. سيرة الصيام في الرواية العربية
رمضان في ضيافة الأدب
تلك الليالي الثلاثينية البهية المُضيئة في فضاءات المسلمين، هي أوسع كثيرًا من حدِّها الزمني المعدود، وأعمق كثيرًا في تأثيرها مما يظن الصائمون. إن رحابتها تمتد بعيدًا إلى كمائن الروح، وتتراكم معانيها وألطافها وتتمدد لتسكن وجدان العابدين على مر السنين والعقود، وكلما كان المجتمع الصائم له حضور في ميادين الإبداع والفن الذكي اللطيف، وجدتْ تلك الأيام أصداءً أوسع في النفوس واكتست سمتَ المباهج الموسمية الكبرى التي تفتح بوابات السعادة للشعوب.
ولا يخفى على المسلمين، بل العالمين، ما لهذا الشهر من تجليات في أرض الأدب على مر العصور، فقد كان دومًا حاضرًا نثرًا وشعرًا، جدًّا وتسلية، في الحواري وفي قصور الملوك، وقد ازداد حضوره توهُّجًا مع كثرة وسائل التعبير الفني في القرنين الأخيرين.
وفي هذا المقال وقفة قصيرة على ناصية الشهر الكريم نلتقط فيها شهود البهجة في أدب الكبار وإلماحات إبداعهم.
في قنديل أم هاشم.. رمضان يروِّض الشارد
في "قنديل أم هاشم" كانت مُعضلة الطبيب "إسماعيل" كبيرة مربكة، إنه رجل سكنته نداهة الاغتراب وبرودة أوروبا الجاحدة، فتضخمت بينه وبين وطنه وأهله أسوار وأغوار. وفي موجة اضطرابه النفسي وتعقيدات موقفه جاءه الراوي "يحيي حقي" بسيرة رمضان يُهدهد روحه، ويعدل له الميزان، ويشده من ثيابه مجددًا إلى غرفته القديمة الآمنة، فيقول الراوي واصفًا حال البطل: "وجاء رمضان، فما خطر له أن يصوم، ابتدأ يُطيل وقفته في الميدان، ويتدبر في الجو، في الهواء، في المخلوقات... كأن الوجود خلع ثوبه القديم واكتسى جديدًا، علا الكونَ جوُّ هدنة بعد قتال عنيف... ودار بعينيه في الميدان، وتريَّثت نظرتُه على الجموع فاحتملتها، وابتدأ يبتسم لبعض النكات والضحكات التي تصل إلى سمعه... ما يظن أن هناك شعبًا كالمصريين حافظ على طابعه وميزته رغم تقلب الحوادث وتغير الحاكمين".
وكأن الأستاذ "حقي" أدرك أن مفتاح الروح الجامدة وسر العودة من متاهة الاغتراب تكمن في حضور رمضان، ثم أراد أن يبلغ ضفافًا أبعد في حنايا النفس فأخذ بيد البطل حتى نهاية الشهر، فوصل ليلة القدر، وكان الفرج عند بابها، فيقول: "وحلَّت ليلة القدر، فانتبه لها إسماعيل، ففي قلبه لذكراها حنين غريب، رُبي على إجلالها والإيمان بفضائلها، ومنزلتها بين الليالي. لا يشعر في ليلة أخرى - حتى ولا ليالي العيد - بمثل ما يشعر به من خشوع وقنوع لله، هي في ذهنه غرة بيضاء وسط سواد الليالي".
"قرقيعان الخليج".. فرحة تبحث عن ذاكرة
في روايتها "وَسْمية تخرج من البحر" تدنو الكاتبة ليلى العثمان بلطف يليق بالمشهد إلى روح بطلتها، لترسم لها دائرة من "فتافيت" الذاكرة، ، وتريد أن ترسمها فتنقش حولها هالة من الذكريات، وفي قلبها تبرز مباهج رمضان كشهود رسمية على زمن الأفراح: "يا ذلك الوجه الزاهي بسُمرتِه، يا نجمة الليالي المتلألئة بالنور، وأغاني (المالد)، وأهازيج الأطفال و(القرقيعان)".
والقرقيعان هنا هو الاحتفال الخليجي الشهير المزدحم بالفرحة في ليالي منتصف رمضان (13، 14، 15)؛ حيث يخرج الأطفال فيها لينشدوا أمام البيوت فيمنحهم الناس الحلوى والمكسرات وعطايا من كرم الله في شهر المدد والإكرام. وتلك اللقطة الخليجية تشبه كثيرًا الاحتفاء الطفولي المصري الشهير "ادُّونا العادة"؛ حيث كان يدور الصغار إلى عهد قريب في كل ليلة رمضانية بعد الإفطار، يدقُّون أبواب الجيران في رجاء طفولي لذيذ لينالوا النفحات من أطعمة وحلويات.
عند إدريس.. رمضان يعدل أمزجة الكبار
ربما يكون هو الأديب الوحيد الذي أفرد لشهر الصيام قصة باسمه. إن يوسف إدريس كان فاحصًا لمَّاحًا يُدرك أعمق المؤثرات الوجدانية على إنسانِ كتاباتِه؛ لذا استطاع أن يصوغ في مجموعته "جمهورية فرحات" قصة "رمضان" مستصحبًا فيها خيال طفل جريء جرَّب قرصات الجوع ومتعة السحور وسرقات الخفاء الطفولية، وواتته فرصة الانتصار، رغم هزيمته في ميدان الصيام. وفي ثنايا ذلك التقط الأديب خيطًا لطيفًا من بركات "رمضان" الذي تسهُل معه الحياة وتعتدل الأمزجة، فدقَّق في وصف نشاط الصغار واعتدال عادات الرجال، فيقول: "والظاهر أن رمضان يُغيِّر من عادات الكبار؛ فالكبار يودُّون للأطفال دائمًا أن يحيوا حياة مثل حياتهم، حياة كلها جد وخطورة، فهم لا يلعبون ولا يودون لهم اللعب، وهم لا يستسيغون الصراخ والقفز، ولا يودون للأطفال أن يقفزوا أو يصرخوا، بل يريدونهم دائمًا أن يظلوا جالسين مؤدبين متزمتين مثلهم، وكان رمضان إذا جاء وأكل فيه الكبار وشربوا تحدثوا وسهروا وتناقشوا، وأصبحوا أكثر إنسانية، فليس غريبًا إذن أن يسمحوا للأطفال باللعب وبالبقاء خارج البيوت وقتًا أطول".
إنه موسم الانطلاق والمباحات، ورغم قيود الشهوة التي يمُد حبالها على الصائمين، والتي هي أصل الصيام، إلا أنه في الوقت نفسه يحمل عواطف هادئة رطبة تتسلل إلى القلب فتشعره بأكمل وجوه الحرية. وهذا من الإعجازات الرمضانية، وكأن كرمه الذي وثَّقته تقاليد القرون في الطعام والشراب يتخطى ذلك إلى سخاء عجيب يلوِّح للأرواح.
رمضان في حارة "محفوظ"
لم يفُت المبدع الكبير نجيب محفوظ، وهو الرسام النفسي القدير، أن يضع ريشته الأدبية على تلك اللوحات الرمضانية الشعبية العجيبة، وقد تنبَّه إليها في عدد من أعماله فاستدعى ظلالها وسجّلها بدقة مُكثَّفة في موضع واحد، أو نثرها وسط نشاط الناس على حواف الروايات، ونلمح ذلك في أحد أشهر أعماله الشعبية، فيقول واصفًا المشهد الأثير في أيام الصيام، والمحتشد بمعانٍ وأحداث وحكايات في ذاكرة كل مصري ومسلم، فيحدثنا في "خان الخليلي" عن بطله الصائم الذي أنساه هواه ونظرة محبوبته قرصة الجوع والعطش: "وابتسم ابتسامة يأسٍ وخجلٍ فافترَّت شفتاه عن أسنان صُفر، ودوَّى المدفع، وتصايح الأطفال، فعجب كيف انقضت نصف الساعة بغير تفكير في الجوع والعطش، وهتف المؤذن بصوته الجميل (الله أكبر.. الله أكبر) فأجاب أحمد بصوت مسموع (لا إله إلا الله) ثم تحوَّل من النافذة ذاهبًا إلى الصالة، والتأمَ جمع ثلاثتهم حول السُّفرة، ثم غيروا ريقهم على عصير قمر الدين حتى رووا ظمأهم".
في أربعة سطور مختصرة أسمعنا محفوظ ضجة المدفع وصياح الأطفال ونغمات الأذان واللَّهج بالتوحيد، وحركة المقاعد بجوار السفرة، ثم كأننا نسمع خرير السائل الأصفر (قمر الدين) وهو يتأهب لترطيب يوم الصائمين.
وفي مشهد آخر من الرواية نفسها يدنو الأديب المصري أكثر إلى زحام البهجة الرمضانية فيصل إلى جوهرته الأثيرة في الليلة المنيرة، ويصف حال الأسرة، وقد أوشك رمضان على الختام، فيقول: "ثم كانت ليلة القدر في الشهر المبارك، فاحتفلت بها الأسرة احتفالًا بدا في الدجاجة المحمرة التي ازدانت بها سفرة الإفطار وصينية الكنافة، وعند العشاء راحت الست دولت تدعو لبعلها بالصحة ولولديها بطول العمر والسعادة، أما عاكف أفندي - الأب - فذهب إلى مسجد سيدنا الحسين لشهود احتفال رابطة القُراء بالليلة المفضلة، فكانت ليلة سعيدة".
عبد الرحمن منيف.. ومجرم يحترم الصيام
حتى "هوبي" المجرم غريب الأطوار كان له مع رمضان حال وصفها عبد الرحمن منيف في رائعته "مدن الملح" باختصار عاجل لكنه ألقى ظلالًا لكرامة الشهر العظيم على أجرأ النفوس وأصعبها مراسًا؛ حيث "توارى هوبي عن الأنظار وأصبح من الخارجين على القانون. موقفه من الدين ليس متزمتًا؛ فالتقوى بنظره، نابعة من القلب وليست مسألة شعائر وطقوس، لم يكن يصوم رمضان، مثلًا، ولكنه كان يحرص على الامتناع عن تناول المشروبات الكحولية طوال ذلك الشهر"، فالرجل رغم ما فيه من انتكاسات، لم يستملح الخروج على وقار الشعيرة الطيبة، وكبح جماح فجوره إكرامًا للكريم.
سحور في "بيت" إحسان عبد القدوس
نختم تلك اللمسات بلفتة رمضانية بديعة عند الروائي إحسان عبد القدوس الذي استضاف رمضان في روايته الشهيرة "في بيتنا رجل" مُبرزًا لصورة البطولة، وكاشفًا عن روح الأسرة المصرية الأصيلة، ليتمم به جسرًا روحيًّا متينًا بين شخوص تلك الحقبة الفارقة من الزمان المصري، ويقوي الرباط الإنساني في أيام الصمت والاحتياط، فيختار ساعة السحور ويصف لحظة الاستيقاظ - الصعبة والحلوة في آن – فيقول: "كانت الأم أول من تنبَّهت، ولكنها لم تفتح عينيها.. وقالت دون أن تتحرك من رقدتها، وهي لا تزال مغمضة العينين: زاهر زاهر يا زاهر السحور! وسكتت كأنها عادت إلى النوم، ثم رددت بعد قليل، وهي لم تتحرك بعد قوم يا زاهر ياللا خويا السحور".
اقرأ يضًا:
من الجاحظ إلى نجيب محفوظ كيف حضر شهر رمضان في الأدب
رمضان في الرواية العربية
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً