«حين تبلغ القلوب الحناجر».. إشراقات بلاغية في آيات «الأحزاب»

خُلق الإنسان في كبد، وجُبلت حياته على أمواجٍ متلاطمة من السراء والضراء؛ فلا تصفو له الدنيا من كدر، ولا تخلو طرقه من شوك الابتلاء. ولما كانت النفس البشرية بطبيعتها الأولى وعاءً سريع التأثر، يغشاها الخوف عند النوازل، ويستبد بها الهلع حين تضيق المسالك، كان لا بد لها من مرسى تأوي إليه، وعروة وثيقة تعتصم بها أمام أعاصير الفتن.

إن الخوف في لحظات الكرب ليس نقيصةً إنسانية، بل هو انعكاس لضعف المخلوق أمام عظمة القدر، ولكنَّ الفرق الجوهري يكمن في مآل هذا الخوف؛ فبينما يغرق البعض في لُجج اليأس والظنون السيئة، يأتي القرآن الكريم ليكون الرّباط الإلهي الذي يشدُّ على القلوب المرتجفة، ويحول الفزع إلى يقين، والزلزلة إلى ثبات.

في سورة «الأحزاب»، نجد مشهداً حياً لهذا الصراع النفسي والمادي؛ حيث بلغت الشدة ذروتها، واجتمعت قوى الأرض لتستأصل شأفة المؤمنين. هناك، في تلك اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت، نزل الوحي ليصور لنا كيف تضطرب الأبدان، وكيف تُغَرْبل القلوب، وكيف يتمايز الناس تحت وطأة الضغط الشديد إلى مؤمنٍ يزداد تسليماً، ومنافقٍ يسقط في هاوية الوهم.

نتأمل في السطور التالية قراءةً بلاغية ولغوية لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً {9} إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا {10} هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً {11} وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً {12} وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً {13} وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً {14} وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً {15}‏ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً {16} قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً) (الأحزاب).

تبدأ الآيات بنداء علوي حانٍ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، وهو نداء يُخرج المؤمن من ضيق الحالة النفسية المذعورة إلى سعة الانتماء لله، ثم يأتي فعل الأمر (اذْكُرُوا) ليؤكد أن الذاكرة الإيمانية هي صمام أمان ضد القنوط؛ فاستحضار النعمة وسط حديث الجنود والمؤامرات هو توجيه نفسي لإدراك أن المنّة لله أولاً وآخراً.

وفي قوله تعالى: (إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا)، نجد مقابلة بلاغية بين قوتين:

القوة المادية الملموسة: وهي الجنود الذين أحاطوا بالمدينة (الأحزاب).

القوة الغيبية.. الريح والجنود التي لم تروها

كما أن استخدام فعل (فَأَرْسَلْنَا) بصيغة الجمع الدالة على العظمة يوحي بالهيمنة الإلهية؛ حيث سُخرت الريح -وهي عنصر من عناصر الطبيعة التي لا يتحكم فيها إلا الله تعالى- لتكون جندا، ونكّر الريح والجنود للتهويل والتعظيم؛ فليست أي ريح، بل هي ريح النصر التي تشتت الجمع. وتختم الآية بفاصلة قرآنية محكمة: (وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا)، لتحويل النظر من قوة العدو إلى رقابة الله على القلوب والأعمال.

بلاغة التصوير للفزع

تعد الآية الثانية في هذه الآيات المباركات من أبدع ما صوره القرآن للحالة النفسية:

الإحاطة المكانية: (مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ)، طباق يبرز حالة الحصار الخانق والوقوع في فكيّ كماشة.

التجسيد النفسي: (إِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ). هنا ننتقل من وصف المشهد الخارجي إلى تصوير فيزيولوجي؛ فالعين تزيغ حيرة، والقلب يفارق مكانه لشدة الخفقان حتى يكاد يسد الحنجرة. هذا المجاز المرسل في وصف الهلع يختصر آلاف الكلمات في تصوير الرعب البشري الطبيعي.

الظنون المضطربة: (وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا)؛ إطلاق الظنون بصيغة الجمع يدل على تشتت الأفكار، فمنهم من ظن الهلاك، ومنهم من ظن تخلّي النصر، وهذا يعكس الغربلة التي سبقت النصر.

يقول الإمام القشيري في لطائف الإشارات: أحاط بهم سرادق البلاء، وأحدق بهم عسكر العدوّ، واستسلموا للاجتياح، وبلغت القلوب الحناجر، وتقسّمت الظنون، وداخلتهم كوامن الارتياب، وبدا في سويدائهم جولان الشكّ.

الفتنة والميزان (الزلزال النفسي)

ثم يأتي قوله تعالى: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وزلزلوا زلزالا شَدِيدًا) كإعلان لنتيجة الامتحان.

(هُنَالِكَ): اسم إشارة للمكان والزمان، يفيد التوكيد على أن تلك اللحظة الحرجة كانت هي مكمن التصفية.

(زُلْزِلُوا زِلْزَالاً): استخدام المفعول المطلق مع صفة شديدا يعطي إيحاءً بأن الاضطراب لم يكن عابراً، بل هز كيانهم الإنساني ليُختبر معدنهم الإيماني.

ويصور الأستاذ سيد قطب بيراعه البارع هذا المشهد في «في ظلال القرآن» فيقول: إنها صورة الهول الذي روع المدينة، والكرب الذي شملها، والذي لم ينجُ منه أحد من أهلها، وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب؛ من أعلاها ومن أسفلها؛ فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب، وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب، وظنها بالله، وسلوكها في الشدة، وتصوراتها للقيم والأسباب والنتائج.

ومن ثم كان الابتلاء كاملا والامتحان دقيقا، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين حاسما لا تردد فيه.

كشف الأقنعة في لغة النفاق والهروب

تنتقل الآيات لتشريح لغة المنافقين من خلال ما يلي:

1- الوهم والغرور: (مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا)؛ هنا يظهر الانفصام بين الواقع والتصديق القلبي لديهم؛ فوصفوا وعد الله بالخداع (الغرور)، وهو نقيض لقول المؤمنين في موضع آخر: هذا ما وعدنا الله ورسوله.

2- بلاغة الاعتذار البارد: (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ)؛ تلطفوا في اختيار الكلمة لتبرير الفرار، فادعوا أن بيوتهم مكشوفة للعدو. وجاء الرد الإلهي القاطع: (وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا).. جملة قصر تحصر نيتهم في الهروب فقط، كاشفةً كذب المسوغات.

3- سرعة الانتكاس: في قوله (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا).. دلالة على خفة إيمانهم؛ فلو طلب منهم الكفر أو الفتنة لاستجابوا فوراً دون تردد، وهو ما يبرز التناقض بين تثاقلهم في نصرة الحق وسرعتهم في السقوط في الباطل.

ويعلق صاحب «الظلال» على موقفهم هذا قائلاً: ويقف السياق عند هذه اللقطة الفنية المصورة لموقف البلبلة والفزع والمراوغة.. يقف ليرسم صورة نفسية لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض؛ صورة نفسية داخلية لوهن العقيدة، وخور القلب، والاستعداد للانسلاخ من الصف بمجرد مصادفة غير مبقين على شيء، ولا متجملين لشيء.

مواجهة الحقيقة وحتمية القدر

ثم تنتقل الآيات إلى خطاب مباشر وقوي يكسر أوهام الهاربين، تتمثل معالمه فيما يلي:

1- مسؤولية العهد: (وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولاً)؛ صيغة المفعول هنا توحي بأن العهد يطالب صاحبه بالوفاء، وكأنه كائن يخاصم من خانه.

2- سخرية المصير: (لَن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ).. هنا نفي قاطع لمردود الهروب؛ فالإنسان يفر من الموت ليجد الموت في انتظاره، وحتى لو نجا، فإن الحقيقة (لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)؛ وهنا قمة البلاغة في تقليل الدنيا وتصغير شأنها أمام الخلود الأخروي.

3- العجز البشري المطلق: يختم المقطع بتساؤل استنكاري: (مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللهِ)؟ الجمع بين السوء والرحمة في جملة واحدة: (إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) يرسخ مبدأ الوحدانية في التدبير، فلا واقي من الضر ولا مانع للفضل.

4- استخدم القرآن لفظ (يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ) بدلاً من يهربون؛ لما فيها من دلالة حسية على كشف الظهر للعدو، وهي وضعية تعكس الذل والهزيمة النفسية قبل المادية. بينما جاء لفظ (الْعِصْمَة) في قوله (يَعْصِمُكُمْ) لغويا من العصام وهو ما يُربط به الشيء، وكأن العبد في قبضة القدر لا منجى له إلا إلى الله.

تقدم هذه الآيات المباركات بمجموعها لوحة فنية بلاغية تجمع بين هول المشهد الطبيعي واضطراب النفس البشرية، ثم تعيد ترتيب هذا الشتات باليقين الإلهي.

لقد أكد الخطاب القرآني هنا أن النصر لا يُصنع بالعدد بل بـالمدد، وأن العبارات التي أطلقها المنافقون كانت مجرد تعبير عن خوائهم الداخلي، بينما كان صمت المؤمنين في زلزالهم انتظارا لرحمة الله تعالى وهو قمة العبودية؛ فانتظار الفرج عبادة؛ فما بالكم بفرج من كل هذه الخطوب والزلازل التي تحيط بهذه الفئة المؤمنة قليلة العدد والعدة كبيرة العزم والهمة.

 


اقرأ أيضاً:

تجسيد المعاني.. من الذهن إلى الصورة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة