«أب ولكن».. دعوى درامية لإنقاذ مستقبل الأبناء
لا يمكننا قراءة
مسلسل «أب ولكن»، الذي شاهده الجمهور في موسم رمضان الدرامي 2026م، بمعزل عن مقصلة
قانون الأحوال الشخصية في كثير من دولنا العربية؛ فالمسلسل قدم محاكمة درامية
لنصوص قانونية تخص الأسرة تجاوزها الزمن، من شأنها إنتاج مآسٍ إنسانية تصيب
المجتمع في مقتل.
فقضايا الرؤية
في مصر، على سبيل المثال، تستند قانونياً إلى المادة (20) من القانون رقم (25)
لسنة 1929م، والمعدل بالقانون رقم (100) لسنة 1985م، التي تنظم حق الرؤية كالتالي:
يحدد القاضي مكان الرؤية وذلك في حال عدم الاتفاق بين أم وأب الطفل، التي غالباً
ما تكون -للأسف- في نوادٍ رياضية، أو مراكز شباب، أو حدائق عامة، أو دور رعاية
اجتماعية، كما يحددها بوقت معين بما لا يقل عن ثلاث ساعات أسبوعياً، وتكون في
ساعات النهار ما بين التاسعة صباحاً والسابعة مساءً.
هنا يأتي
المسلسل رافعاً دعوى درامية واشتباكاً إنسانياً تفاعلياً مع واقعٍ قانوني جامد،
حيث وضع مبضع الجراح على المادة (20) من قانون الأحوال الشخصية ليحولها من نص
قانوني ظالم ومجحف إلى مأساة مرئية، كاشفاً في الوقت ذاته عن عجز البنية الفكرية
للكتابة الدرامية عن تقديم مخرج حقيقي من أزمة الهوية الوالدية؛ ليضعنا أمام دراما
اجتماعية أسرية بامتياز، تقتحم المنطقة المحرمة بين الأبوة المفقودة والقانون
العاجز.
يغوص المسلسل في
تاريخ الوجع الأسري المفكك ليبحث عن الجذور الإنسانية التي دعت لتعنت الأم؛ وهو ما
يجعلنا نقدياً ولا إنسانياً عزل هذا التعنت عن تاريخ المعاملة السيئة التي تلقّتها
من الأب قبل أو أثناء إجراءات الطلاق، حيث كشفت الدراما عن أب كان يمارس استعلاءً
وتهميشاً بدد كرامة تلك المرأة/الزوجة؛ مما جعل تعنتها معه انتقاماً جعلت فيه
ابنتها الورقة الوحيدة الصالحة للمساومة على سنوات انكسارها، وهنا نجد أنفسنا أمام
أب هدم بيده مشاعر الحب والمودة ثم جاء يطالب بحقه في الرؤية، متناسياً أن قانون
العاطفة لا يقل صرامة عن قانون المحاكم!
لقد خلق هذا
التناقض الأخلاقي انفصاماً فكرياً في المعالجة الدرامية للمسلسل، إذ لم تستطع
الإجابة عن السؤال الجوهري حول كيفية استقامة الحق في الأبوة مع إهدار الحق في
الاحترام الإنساني لشريك الحياة، في حين رصد بحساسية شديدة ما يمكننا تسميته
بالبيروقراطية العاطفية؛ حيث تحولت الأبوة إلى إجراء إداري يخضع لدفاتر الحضور
والانصراف في مراكز الشباب، ذلك الفضاء الدرامي العبثي الذي تحول إلى منطقة عازلة
تقتل عفوية اللقاء بين الوالد وطفله، بل وتغتال روح الطفل الذي يشاهد والده في
بيئة مقلقة تحت حراسة الموظفين.
عوار قانوني
ومع هذا العوار
القانوني والمجتمعي، تتجلى قوة العمل في تعريته لغياب حق الاستضافة للأب؛ فالقانون
الذي يمنح رؤية بصرية ويمنع رعاية تشاركية يجعل الأب محروماً من حقه في بناء ذاكرة
منزلية مع طفله، ولمس تفاصيل حياته اليومية (المذاكرة، النوم، الحكي)؛ ما يحول
الطفل مناط النزاع إلى رهينة إنسانية وأداة انتقام، وإعاقة تربوية مقننة تفرغ
علاقة الأبوة من جوهرها الحقيقي.
وعلى الرغم من
أهمية القضية، فإن الصنعة الدرامية (كتابة وتمثيلاً وإخراجاً) شابها الكثير من
الارتباك؛ إذ وقعت في فخ الميلودراما الزائدة والتلقينية المباشرة والمنولوجات
الكثيرة، والخطابات الوعظية المطولة التي تشرح القانون بدلاً من أن تجسده.
ففي بعض
الحلقات، غرق المسلسل في استدرار العطف عبر موسيقى تصويرية جنائزية في مشاهد
الرؤية، وكان الأجدر أن يتم التركيز على المنطق القانوني المأزوم بدلاً من
البكائية، ليتحول العمل من النبرة البكائية إلى قوة ضغط لتغيير القانون.
بالإضافة إلى
تسطيح شخصية الأم عبر نمطية الأبيض والأسود؛ فرغم محاولة رصد دوافعها في البداية، فإن
المعالجة الدرامية انتهت بتصويرها كشر مطلق والأب كقديس مضطهد؛ لذا كان يجب إظهار
دوافع الأم (الحاضنة) بشكل أكثر واقعية، بدلاً من هذا التنميط الذي أضعف الصراع
الدرامي وحوّله إلى تراجيديا استعطافية شابها الترهل الإيقاعي والمط خصوصاً في
مشاهد الرؤية المتكررة، فيما كان يجب على الدراما أن تجعلنا نتفهم مخاوف الطرفين
لندرك أن القانون العاجز هو الخصم الحقيقي.
الاغتراب الوالدي
ومع هذا، فقد
أجاد المسلسل في تشريح ظاهرة الاغتراب الوالدي وصناعة الكراهية الممنهجة، حين قامت
الأم بممارسة فعل غسيل مخ للطفلة وترسيخ صورة سيئة لأبيها، وما هذا إلا نتاج
لمراراتها الشخصية فيما لاقته من تعنت الأب/ الطليق.
ربما جاء هذا
الفعل كإدانة يائسة لصمت المشرع حيال تسميم وعي الصغير وتحويله إلى درع بشري بين
طرفين لا يرى كل منهما إلا نفسه في مرآة الأنانية ورد الأذى الذي تكبده من وجهة
نظره.
وما يحسب له،
كذلك، محاولته تجاوز رصد الواقع وأنسنته، وتحويل المواد القانونية الصماء إلى وجوه
لأطفال يبكون في مراكز الشباب، مقتفية أثر أعمال خالدة في تاريخ الدراما المصرية
والعربية التي كانت الشرارة الأولى لتعديلات قانونية جذرية، مثل فيلم «أريد حلاً»
(1975م) الذي هز أركان بيت الطاعة، وفيلم «جعلوني مجرماً» (1954م) الذي أدى لصدور
قانون محو السابقة الأولى، وكذلك مسلسل «فاتن أمل حربي» (2022م) الذي أعاد فتح
ملفات الولاية التعليمية، ومسلسل «تحت الوصاية» (2023م) الذي فجر قضية الوصاية على
المال.
وعلى هذا، يأتي «أب
ولكن» لينضم إلى تلك الأعمال، لافتاً نظر المشرع إلى استحقاق إنساني لا مفر منه،
مؤكداً أن القوانين التي لا تحمي المودة والرحمة والإنسانية قوانين لا نفع منها،
وأن الأبوة مسؤولية شاملة تبدأ باحترام الأم أولاً قبل المطالبة بحق الرؤية ثانياً،
ليصبح الفن ضميراً يوقظ القانون حين يغفو، وصوتاً للعدالة حين تصمت النصوص
الجامدة، مؤكداً أن الطفل كائن حي يحتاج لجناحي الأم والأب كي يطير، فإذا كُسر
أحدهما بخطأ الأب أو بتعنت الأم، سقط المجتمع كله في هاوية التشتت وفقدان الهوية.
اقرأ
أيضاً:
أبٌ عن بُعد..
التحديات والضوابط
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً