بين المواساة والانضباط الشرعي
9 آداب للعزاء في الإسلام
نوع من العبادات
يغفل عنه معظم الناس وهم لا يعلمون أن أجره عند الله عظيم، تلك العبادات هي جبر
خواطر المحزونين والمهمومين، حيث يكون الإنسان في أضعف حالاته الإنسانية، يشعر
بالوحدة أو الفقد أو آلام الفراق، في تلك الأوقات يحتاج لأخ له يذكره بالله ورحمته
ومعيته ليستعيد ذاته ولا يخسر إيمانه.
فالعزاء في
الإسلام ليس مجرد طقس اجتماعي، بل عبادة أخلاقية تضبطها النصوص الشرعية ومواقف
النبي صلى الله عليه وسلم، تهدف في جملتها إلى تخفيف المصاب عن قلب صاحبه، وربط
القلوب بالصبر والاحتساب، ومنع صاحبها من الأفعال التي قد تغضب الله تعالى.
مشروعية التعزية في الإسلام
إن كافة مبادئ
وأخلاقيات الإسلام تدعو المسلم أن يقوم بواجب التعزية لأخيه المسلم، فهو نوع من
التكافل بين المسلمين حتى في اقتسام الحزن بينهم على سبيل التخفيف والمواساة في
مصيبة الموت.
يقول النووي: واعلم
أن التعزية هي التصبير، وذكر ما يُسلِّي صاحب الميت، ويُخفِّف حزنه، ويُهوِّن
مصيبته، وهي مستحبةٌ؛ فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي
داخلة أيضًا في قول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2).
وثبت في الصحيح
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»(1)،
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشارك المسلمين أحزانهم ويعزيهم، فعن أسامة بن
زيد قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ جاءه رسول إحدى بناته يدعوه إلى
ابنها في الموت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع، فأخبرها أن لله ما أخذ،
وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب» (أخرجه البخاري،
ومسلم).
المقصد الأخلاقي من العزاء
والمقصد من
العزاء تثبيت المصاب، وتذكيره بالأجر، وتخفيف ألمه دون إثارة حزنه أو تجديد جراحه،
وذلك بمثل قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ
إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ
رَاجِعونَ) (البقرة)، وللعزاء في الإسلام 9 آداب، هي:
1- استحضار النية:
كل عمل يقدمه
المسلم، وكل عبادة سواء كانت قلبية أو بدينة يجب أن يسبقها نية خالصة لله تعالى،
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» (أخرجه البخاري، ومسلم)، فقبل
أن يخرج لأخيه فعليه أن ينوي جبر قلبه، والتخفيف عنه، ومقاسمته حزنه وألمه، فعن
النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم
وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»
(أخرجه مسلم).
2- اختيار مفردات التعزية المشروعة:
ليس هناك لفظ
محدد للعزاء، لكن يجب أن يجمع بين المواساة وتثبيت إيمان المصاب، وقد ذكر الفقهاء
أكثر من صيغة للعزاء، منها: «أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك وغفر لميتك»(2)،
ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، فلتصبر ولتحتسب»
(متفق عليه).
3- عدم النياحة واللطم مع جواز البكاء:
والبكاء رحمة
تخفف عن صاحبها ألم الفقد، وتطفئ نار الحزن، فيشرع للحزين أن يبكي، مع عدم ذكر
ألفاظ تغضب رب العالمين، فعن عبدالله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليسَ
مِنَّا مَن لطم الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعا بدَعْوَى الجاهِلِيَّة» (متفق
عليه).
4- إطعام أهل الميت:
ولا يجب شغل أهل
الميت بصنع الطعام للمعزين لما بهم من مصاب، بل يجب على المسلمين المحيطين بهم أن
يقوموا هم على خدمتهم ويكفي ما بهم من هَم، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم
لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب باستشهاده في غزوة «مؤتة» أمر أهله أن يصنعوا لآل
جعفر طعاماً قال: «لأنه أتاهم ما يشغلهم» (رواه أبو داود).
5- مدة الجلوس والزيارة للتعزية:
البعض أحال
مجالس التعزية لمجالس نميمة وغيبة، بل وتسلية في بعض الأحيان، حيث يفتح السرادق
لتجلس النساء في حلقات طوال النهار ليمتد لساعات من الليل، بينما أهل الميت في كدر
وتعب وإرهاق نفسي وبدني، ولذلك فمن أدب العزاء أن يكون قصيراً لا يطيل المكث فيه،
يكتفي بكلمات التعزية والترضية والرحمة ثم يرحل ويترك لهم فرصة للراحة.
6- التعزية بما يثبت الإيمان بالقدر:
وهو جوهر العزاء
في الإسلام بربط المصاب بحكمة الله عز وجل في الموت، والتذكير بقصة الطفل الذي
قتله الرجل الصالح مع موسى عليه السلام: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن
يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) (الكهف: 80).
7- الحث على الصبر:
يجب أن يتحدث
المعزي عن فضل الصبر وأجره العظيم تحفيزاً للمصاب على استجلاب الصبر والاستعانة
بالله على ذلك، وتذكيره بآيات مثل: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:
10).
8- مواساة جميع أهل المصاب:
وليس من الأدب
الإسلامي أن يجلس المعزي بجوار صديقه الذي فقد ولده فيعزيه ويذكره ويسري عنه ويترك
بقية إخوته دون تعزية، فحفاظاً على العلاقات الإنسانية يجب تعزية جميع الملكومين
بالبيت.
9- استمرار العزاء بشكل عملي:
يجب أن تعزي أخاك بمجرد أن تلقاه بعد وفاة فقيده، وأن يكون العزاء متابعة إنسانية، وذلك بتفقد أحوال أبناء الميت إذا كانوا أيتاماً صغاراً يحتاجون لمن يدعمهم مادياً وتربوياً، وذلك يكون المجتمع متكافلاً بحق.
اقرأ ايضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً