5 واجبات عند وقوع الزلازل
روى المقريزي عن صفية رضي اللَّه عنها قالت: زلزلت المدينة على عهد عمر رضي
اللَّه عنه حتى اصطكت البيوت، فقام فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: «ما أسرع ما أحدثتم!
واللَّه لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم»(1).
وروى الطبري أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود رضي الله عنه، فقال: يا أيها
الناس إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه(2)؛ أي: أقبلوا عتبه، وتوبوا إليه قبل
ألا يبالي في أي واد هلكتم، فما أهم الواجبات عند وقوع الزلازل؟
1- التوبة والاستغفار:
الله لا يريد من الزلزال أن يعذبنا وإنما يريد أن نتوب إليه قال تعالى: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا
هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
(الزخرف: 48)، وقال تعالى: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
(الأعراف: 168)، وقال تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ
الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (السجدة: 21)، وقال أيضاً: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا
حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأحقاف:
27)، فعلينا أن نرجع إلى الله، ونتوب إليه من الذنوب والمعاصي.
وقد أوصى عمر بن عبدالعزيز الناس حين حدثت الرجفة في عهده بالاستغفار،
فقال: قولوا كما قال أبوكم آدم عليه السلام: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ
لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف: 23)،
وقولوا كما قال نوح عليه السلام: (وَإِلَّا
تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (هود: 47)، وقولوا
كما قال موسى عليه السلام: (رَبِّ
إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) (القصص: 16)، وقولوا كما قال ذو
النون عليه السلام: (لَا
إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء:
87)(3).
2- الصدقة:
لما وقع الزلزال في عهد عمر بن عبدالعزيز كتب إِلَى أهل الْأَمْصَار يقول: إِن
هَذِه الرجفة شَيْء يُعَاتب الله بِهِ الْعباد، وَقد كنت كتبت إِلَى أهل بلد
كذا وكذا أَن يخرجُوا يَوْم كذاو كَذَا، فَمن اسْتَطَاعَ أَن يتَصَدَّق فليفعل
فَإِن الله عز وَجل يَقُول: (قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) (الأعلى: 14)(4).
3- الدعاء:
إذا تَعَرَّضَ إلى ما يُفْزِعُهُ، فإن الملاذ له هو الله تعالى، قال عز
وجل: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ
هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ {63} قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا
وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ) (الأنعام).
وفي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا،
وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ
شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ»، قَالَتْ: وَإِذَا
تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ
وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ
عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ! كَمَا قَالَ قَوْمُ
عَادٍ: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا
مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) (الأحقاف: 24)».
وفي سنن الترمذي، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ
أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا
سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ،
وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ».
قال الخطيب الشربيني: يُسنُّ لكلِّ أحد أن يتضرَّع بالدعاء ونحوه عند
الزلازل ونحوها؛ كالصَّواعق، والرِّيح الشديدة، والخسف(5).
4- الصلاة:
قال الشيخ زكريا الأنصاري: وَسُنَّتِ الصلاة للعباد في نحو زلزال، كخسفٍ،
أو صاعقة، أو ريح عَاصِفَةٍ؛ لئلا يكونوا غافلين، ولأن عمر حثَّ على الصلاة في
زَلْزَلَةٍ(6)، وعن ابن رجب قال: أصاب الناس رجفة بحمص، سنة 94هـ، ففزع
الناس إلى المسجد، فلما صلى أيفع بن عبد الكلاعي صلاة الغداة، قام في الناس،
فأمرهم بتقوى الله، وحذرهم وأنذرهم، ونزع القوارع من القرآن، وذكر الذين أهلكوا
بالرجفة قبلنا، ثم قال: والله، ما أصابت قوماً قط قبلكم إلا أصبحوا في دارهم
جاثمين، فاحمدوا الله الذي عافاكم ودفع عنكم، ولم يهلكم بما أهلك به الظالمين
قبلكم(7).
5- التعاون ومساندة المنكوبين:
حين تقع الزلازل يتضرر الناس، فقد تهدم البيوت، ويموت من يموت، ويهرب من
يهرب، وفي هذه الحالة يجب على الناجين أن يتقدموا بالعون والإغاثة للمتضررين،
فيقومون بتثبيت الناس، وغرس الأمل في نفوسهم، ومداواة جريحهم، ودفن ميتهم، إلى غير
ذلك من واجبات الإغاثة والنصرة.
_______________________
(1) إمتاع الأسماع: المقريزي (12/ 390).
(2) جامع البيان: الطبري (14/ 638).
(3) فتح الباري: ابن رجب (9/ 251).
(4) سيرة عمر بن عبدالعزيز: ابن الحكم، ص 64.
(5) مغني المحتاج: الخطيب الشربيني (1/ 602).
(6) الغرر البهية في شرح البهجة الوردية: زكريا الأنصاري، (2/ 66).
(7) فتح الباري: ابن رجب (9/ 252).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً